المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدرس الخامس في السيرة النبوية العطرة مراحل تدوين الحديث النبوي


السيف الذهبي
08-10-2010, 06:21 PM
:سل:



الدرس الخامس في السيرة النبوية العطرة


مراحل تدوين الحديث النبوي


المرحلة الأولى : تلقي الصحابة للسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

تلقى المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث النبوي كما تلقوا القرآن الكريم ؛ فقد كان الحديث النبوي مادتهم لمعرفة ما خفي من القرآن الكريم ، مادتهم التطبيقية التي تتعلق بهم في جميع أمور حياتهم ؛ من عقائد ، وعبادات ، ومعاملات ، وآداب . ولهذا كان الصحابة حريصين عليه ، محبين له ، يتسابقون إلى مجالس رسولهم الكريم ، يدفعهم إلى ذلك إيمانهم القوي ، وحبهم لرسولهم ، وقد كان يعسر على بعضهم حضور تلك المجالس ؛ لانشغالهم بشئون حياتهم الأخرى ، فكانوا يتناوبون مجالسه صلى الله عليه وسلم ، كما كان يفعل ذلك الفاروق عمر رضي الله عنه حين قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد ، وهي من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يوما ، وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك .
نقطة مهمة
ولقد كان الصحابة يحفظون الحديث ، ويكررونه بينهم وبين أنفسهم ، وكان منهم من يجزئ الليل ثلاثة أثلاث ، فثلث للصلاة ، وثلث للنوم ، وثلث يذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل إنهم كانوا يتذاكرون فيما بينهم ما يسمعون منه صلى الله عليه وسلم حتى يحفظوه .
ولم ينحصر تلقي الصحابة للسنة في حضور مجالسه صلى الله عليه وسلم ؛ وإنما كان التلقي أيضا من خلال تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في وقائع وحوادث شاهدها صحابته ، فتلقوها عنه صلى الله عليه وسلم ، ونقلوها إلى من بعدهم من التابعين ، وهي تمثل جزءا كبيرا من السنة النبوية ، ولاسيما هديه في العبادات والمعاملات ، وسيرته عامة .
ومن هذه الحوادث ما كان يقع للرسول صلى الله عليه وسلم نفسه فيبين حكمها .
مثال ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما فسأله : كيف تبيع ؟ فأخبره ، فأوحي إليه : أدخل يدك فيه ، فأدخل يده ، فإذا هو مبلول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( ليس منا من غش ) ) .
ومنها ما كان يقع للمسلمين فيسألونه صلى الله عليه وسلم عن حكمها ، ومن هذه الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه ، ومنها ما يتعلق بغيره ، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد يسمع أو يرى أحد الصحابة يخطئ فيصحح له خطأه ، وقد يختلف اثنان من الصحابة في مسألة من المسائل فيرجعان إليه ؛ ليفصل بينهما مبينا لهما الحكم الصحيح .

المرحلة الثانية :
احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث ، وتثبتهم في قبوله بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
سبق لنا أن رأينا كيف حرص الصحابة على تلقي السنة والتمسك بها ، واقتدائهم برسولهم الكريم ، وقد سار التابعون سير الصحابة في هذا الاقتداء . غير أن هؤلاء وأولئك في الوقت نفسه احتاطوا في قبول الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتثبتوا في قبول الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم ؛ خشية الوقوع في الخطأ ، وخوفا من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف وهي مصدر التشريع الثاني ، ولهذا اعتدلوا في الرواية ، احتراما للحديث ، لا زهدا فيه ، وكانوا حين يروون الأحاديث يتحرون الدقة عند الأداء ، واشتهر من بين الصحابة من كان ينكر على من يكثر الرواية ؛ كعمر بن الخطاب ، بل إن بعض الصحابة من كانت تأخذه رعدة ، ويقشعر جلده ويتغير لونه حين يروي حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن الصحابة لم يسلكوا هذا الطريق لأن الحديث لديهم قليل ، بل فعلوا ذلك احتياطا وحرصا على السنة ؛ ذلك لأن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ . ولقد التزم الصحابة منهاج عمر في التقليل من الرواية مع كثرة تحملهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فها هو ذا أنس بن مالك يقول : لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتك بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا حدث حديثا عن رسول الله ، وفرغ منه قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد روي عنه أنه قال : إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال :
( ( من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار ) ) .
وذكر السائب بن يزيد أنه صحب سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة ، قال : فما سمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا حتى رجع .
وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قال : قلت للزبير بن العوام : مالي لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أسمع ابن مسعود ، وفلانا ، وفلانا ؟ قال : أما إني لم أفارقه منذ أسلمت ، ولكني سمعت منه كلمة ، يقول : ( ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ) . وفي رواية : سمعته يقول : ( ( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ) ) .
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال : قلنا لزيد بن أرقم : حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : كبرنا ونسينا ، والحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم شديد .
ومن كل ما سبق يتضح لنا جليا كيف كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشددون في رواية الحديث ؛ كراهة التحريف أو الوقوع في الخطأ أو رواية ما لم يقله صلى الله عليه وسلم ، وقد نهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، أضف إلى ذلك أن تشدد الصحابة - وبخاصة في زمن عمر - إلى جانب أنه كان للمحافظة على السنة ؛ خشية الوقوع في الخطأ ، أو تسرب الدس إلى الحديث الشريف من الكذابين وأصحاب الأهواء ، أو حمل الحديث على غير وجه الحق والصواب ، فقد كان أيضا للمحافظة على القرآن الكريم ؛ خشية أن يشتغل الناس برواية الحديث ، ويتركوا القرآن وهو المصدر الأول لهذا الدين .
وإلى جانب ما كان من الصحابة ومن بعدهم من التابعين في الاحتياط في الرواية ، فقد كانوا يتثبتون في قبول الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبلوا ما يروى لهم إلا إذا اطمأنوا إليه ، وكان لهم في ذلك طرق ومناهج مختلفة ، فمنهم من لا يقبل الحديث إلا إذا شهد اثنان أنهما سمعاه منه صلى الله عليه وسلم كأبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب .
ومن الأمثلة على تثبت الصحابة في قبول الحديث :
المثال الأول : ما رواه ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث ، فقال : ما أجد لك في كتاب الله شيئا ، وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر شيئا ، ثم سأل الناس ، فقام المغيرة فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس ، فقال له : هل معك أحد ، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك ، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه .
المثال الثاني : ما رواه الإمام البخاري ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور ، فقال : استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت ، فقال : ما منعك ؟ قلت : استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع ) ) ، فقال : والله لتقيمن عليه بينة ، أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبي بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، فكنت أصغر القوم ، فقمت معه ، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك ، فقال عمر لأبي موسى : أما إني لم أتهمك ، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كذلك ومن الصحابة من كان يستحلف الراوي للحديث أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ،
كعلي بن أبي طالب ، فقد قال رضي الله عنه : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه ، وإذا حدثني غيره استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وإن أبا بكر ، حدثني ، وصدق أبو بكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( ( ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ ، فيحسن الوضوء ، ويصلي ركعتين ، فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له ) ) .
هكذا في سبيل الاحتياط للسنة احتاط الصحابة في قبول الحديث ، واختاروا لأنفسهم مناهج يسيرون عليها ، غير أنهم لم يشترطوا لقبول الرواية السير على هذا النهج دائما وأبدا ، فنجد من كانوا يتثبتون باستحلاف الرواة قبلوا أحاديث كثيرة دون استحلاف ، ويدل على ذلك قول علي رضي الله عنه في الرواية السابقة : وإن أبا بكر حدثني ، وصدق أبو بكر ؛ فيدل ذلك على أنه كان يقبل رواية أبي بكر دون استحلاف ، كما أنه رضي الله عنه عمل برواية المقداد بن الأسود في حكم المذي دون استحلافه .
كذلك لم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتماما من الصحابة في الاحتياط عند قبول الرواية ، فكانوا يتثبتون من الراوي ، حتى يستوثقوا منه وتطمئن قلوبهم ؛ لأنهم كانوا يرون الحديث دينا يجب النظر عمن يكون أخذه ، كما أوصاهم بذلك من سبقهم من الصحابة وكبار التابعين ، فقد كان ابن عون مثلا يقول : لا يؤخذ هذا العلم إلا ممن شهد له بالطلب .
وروي عن سليمان بن موسى أنه لقي طاووسا فقال له : إن رجلا حدثني بكيت وكيت ، فقال له : إن كان مليا فخذه منه . وعلى مثل هذا كان يسير التابعون وتابعوهم .
المرحلة الثالثة : تدوين الحديث في عهد الصحابة والتابعين
على الرغم مما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الترخيص بالكتابة وإباحته لبعض الصحابة بتدوين الحديث ، وعلى الرغم مما كتب من كتب وصحف في عهده كانت بناء على إذنه العام في آواخر أيامه ، إلا أن الصحابة بوجه عام نراهم قد أحجموا عن الكتابة في عهد الخلافة الراشدة ؛ احتياطا منهم وحرصا على سلامة القرآن الكريم والسنة النبوية من الاشتباه ، فقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خمسمائة حديث ، فبات ليلة يتقلب كثيرا . . . فلما أصبح قال : أي بنية ، هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فحرقها .
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكر في جمع السنة ، لكنه عدل عن ذلك فعن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن ، فاستفتى أصحاب النبي في ذلك ، فأشاروا عليه بأن يكتبها ، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له ، فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم ، كتبوا كتبا ، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا وفي رواية ، من طريق مالك بن أنس ، أن عمر قال عندما عدل عن كتابة السنة : لا كتاب مع كتاب الله .
فعمر كان يخشى من إقدامه على كتابة السنة أن ينكب الناس على دراسة غير القرآن ، أو يتخذوا كتابا مع كتاب الله ، غير أننا نرى عمر بعد ذلك ، وحينما يأمن حفظ القرآن يكتب بشيء من السنة إلى عماله وأصحابه
فعن أبي عثمان النهدي قال : كنا مع عتبة بن فرقد ، فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال علي بن أبي طالب خطيبا : أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه ، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم .
كما روي عن عبد الله بن مسعود كراهيته لكتابة الحديث ، وكذلك روي عن أبي سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمر ، وأبي موسى الأشعري ، وغيرهم .
غير أن إحجام هؤلاء الصحابة عن الكتابة لم يدل على إهمالهم للسنة ومذاكرتها أو تدوينها عند زوال مانع الكراهة ، حيث ثبت بعدها عن كثير من الصحابة الحث على كتابة الحديث ، أو على الأقل استباحة تدوينه بعد أن زالت أسباب الكراهة ، بل إن عمر نفسه الذي هم بجمع السنن ، لم يكن يشك في جواز الكتابة ، وإلا لما هم بفعل شيء منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن إحجام عمر إنما كان لمانع يقتضي التريث في التدوين والجمع ؛ ولذلك رأيناه يكتب بنفسه حين يأمن اللبس ، ويثق بمن يكتب له ، وربما سمع الفاروق بكتابة الحديث بعد أن رأى حفظ الأمة لكتاب الله تعالى ، ورأى جمعه في المصحف الشريف ، ويشهد لقولنا هذا قول عمر رضي الله عنه : قيدوا العلم بالكتاب .
كذلك فإن أبا بكر الصديق كتب إلى أنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد سبق لنا ذكر خبر صحيفة علي بن أبي طالب التي كانت تحتوي على أسنان الإبل ، وشيء من الجراحات .
ولقد نهج التابعون نهج الصحابة الذين تلقوا عنهم ، فمن الطبيعي أن تتفق آراء من سبقوهم من الصحابة حول حكم التدوين ، فالأسباب التي حملت صحابة رسول الله على كراهة الكتابة ، والعزوف عنها ، في كثير من الأحيان ، هي نفسها التي حملت التابعين عليها ، ومن هنا فقد كره الجميع الكتابة ما دامت أسباب الكراهة قائمة ، أما عند زوالها فالجميع يستبيحونها .
ولقد زادت كراهية التابعين للكتابة حينما اشتهر بينهم تدوين آرائهم الشخصية إلى جانب الحديث ، فخافوا الالتباس ، ومن هنا كرهوا الكتابة ؛ خشية أن تختلط آراؤهم بالحديث الشريف ، فهم إذا كرهوا أن تدون آراؤهم فتؤخذ مأخذ الحديث .

الرحلة في طلب الحديث :
مما لا ريب فيه أن الحديث نشأ نشأته الأولى في المدينة المنورة ، حيث كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقونه منه صلى الله عليه وسلم ويتناقلونه فيما بينهم ، ويلقنونه التابعين بعد ذلك ، وظلت رحاب المدينة المنورة مقدسة عند طالبي الحديث ورواته ، حتى إن أبناء الأقاليم الأخرى كانوا إذا حجوا بيت الله الحرام ، وأتموا شعائرهم ، ولوا وجوههم شطر المدينة يسمعون الحديث من أهلها ، بل إن بعض الأئمة كان لا يرى بأسا في الاعتراف بأنه حج بيت الله ابتغاء سماع الحديث من محدثي الحجاز ، وإذا كان أهل المدينة قد تفردوا برواية أكثر الأحاديث ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بينهم يسمعهم أقواله ويريهم أفعاله ، يتأسون به في الصغير والكبير ؛ فإن بعض الأقاليم الأخرى بدأت تتفرد هي الأخرى برواية بعض الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم ، ثم تشتهر بعدها على ألسنة رواتها في كثير من الأقاليم والبلدان الأخرى ، ومن هنا كانت الرحلة في طلب الحديث ، حيث لم يكن للرواة أن يقتنعوا بأخذ الحديث من أهل بلدهم ، أو بأخذه من المدينة وحدها .
كذلك فإن الصحابة رضوان الله عليهم بعد عهد عمر توزعوا في الأمصار ، ونقلوا في صدورهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كان لابد لمن أراد أن يجمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم من أن ينتقل من بلد إلى آخر ، ويسمع من الصحابة الذين سمعوا منه صلى الله عليه وسلم ورأوه وأخذوا الأحكام عنه ، ولقد كان هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يشجعون على الرحلة من أجل الحديث ، وطلب العلم بوجه عام :
من هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغه الإبل لأتيته .
ومما يروى في حب صحابة رسول الله للارتحال من أجل طلب الحديث والتحقق من صحته ، ما حدث به عطاء بن أبي رباح ، قال : خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر ، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة ، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر فأخبره فعجل عليه ، فخرج إليه فعانقه ، ثم قال له : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغير عقبة فابعث من يدلني على منزله ، قال : فبعث معه ، فقال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن ، قال عقبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية ، ستره الله يوم القيامة " . فقال له أبو أيوب : صدقت ، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة .
وكان الصحابي الجليل ، جابر بن عبد الله قد ابتاع بعيرا ، فشد عليه رحله ، وسار شهرا حتى قدم الشام ؛ ليسأل عبد الله بن أنيس عن حديث في القصاص .
وعلى هذا النهج ، وبمثل هذا النشاط في الرحلة في طلب الحديث كان التابعون ، فقد روي عن سعيد بن المسيب قوله : إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد .
ويروى عن كثير بن قيس أنه قال : كنت جالسا عند أبي الدرداء ، في مسجد دمشق ، فأتاه رجل ، فقال : يا أبا الدرداء أتيتك من المدينة ، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فما جاء بك ، تجارة ؟ قال : لا . قال : ولا جاء بك غيره ؟ ! قال لا . قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما ، سهل الله له طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) ) .
ويروى عن مسروق أنه كان كثير الترحال ، حتى قال عنه عامر الشعبي : ما علمت أن أحدا من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق . كما روي عن الشعبي أنه حدث بحديث ، ثم قال لمن حدثه : أعطيتكه بغير شيء ، وإن كان الراكب ليركب إلى المدينة فيما دونه .
هكذا كان العلماء يشجعون على الرحلة في طلب العلم ، ولقد كانت لهم رحلات كثيرة لا يتسنى لنا ذكرها لكثرتها ، ويكفي أن نذكر في هذا المقام ما كان لهذه الرحلات من فوائد ذات أثر بعيد في التحقق من الرواة ، فبظل الرحلة يرى الراوي من يروي عنه ويقف على كثير من سيرته وأحواله ، وكل ذلك يتم عن طريق سؤال أهل بلده والمخالطين له ، وكانت هذه الأسئلة تتسم بالتشدد ، حتى ليقال لهم : أتريدون أن تزوجوه ؟
كذلك كان من فوائد هذه الرحلات معرفة طرق كثيرة للحديث الواحد ؛ إذ يسمع الراوي من علماء البلد الذي رحل إليه ، ما لم يسمع في بلده من زيادات في الحديث ، أو تعارض في طرق الحديث الواحد ، وما إلى ذلك .
كذلك كان من فوائدها التثبت من الحديث ونشره وجمعه ، فقد ساعدت على المحافظة على السنة وجمعها بلا شك ، فأصبحت السنة في الأقاليم المختلفة أشبه بالسنة في الإقليم الواحد ؛ لتقارب عباراتها شيئا فشيئا حتى خيل إلى سامعها أنها رواية إقليم واحد .
وهكذا تعددت مراكز الحديث ومجالسه ، وشهدت الأقاليم البعيدة ، ما شهدته مكة والمدينة من نشاط علمي على يدي الصحابة ، ثم التابعين ، ومن جاء بعدهم .
المرحلة الرابعة : التدوين الرسمي للحديث
لقد دفعت الخشية من ضياع الحديث وذهاب أهله الخليفة عمر بن عبد العزيز للعمل على تدوين السنة رسميا ، كما أن ظهور الوضع في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية كان عاملا آخر وراء تدوين السنة ، والذي ساعد على ذلك كله هو نشاط التابعين في ذلك الوقت ، وإجازتهم للكتابة بعد زوال الأسباب المانعة منها ، فحرص العلماء على سلامة الحديث من أن يدرس ويذهب بذهاب أهله ، لا يقل عن حرصهم على سلامته من الكذب والاختلاق .
كان هذان العاملان من أهم العوامل التي دفعت العلماء إلى خدمة السنة وكتابتها ، وقد دعا الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى جمعها وتدوينها رسميا ، حيث كتب إلى الآفاق : انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه . وكتب إلى أهل المدينة : انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه ، فإني خفت دروس العلم بذهاب أهله .
وجاء في كتابه إلى عامله على المدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم : اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبحديث عمرة فإني خشيت دروس العلم وذهابه .
كما أن هذا الخليفة أمر ابن شهاب الزهري وغيره بجمع السنن ، وهو أحد الأعلام الذين كتبوا السنن وما جاء عن الصحابة أثناء طلبهم العلم ، في حين أن بعض علماء عصره كان لا يكتب سوى الحلال والحرام ، ويشهد لهذا قول أبي الزناد : كنا نكتب الحلال والحرام ، وكان ابن شهاب يكتب كل ما يسمع ، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس .
وها هو ابن شهاب يقول : أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن ، فكتبناها دفترا دفترا ، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا .
ولم يقتصر جهد عمر بن عبد العزيز في جمع السنن على أمر من أمرهم من العلماء بجمع الحديث ، وإنما أرسل كذلك كتبا إلى الأمصار يحث المسئولين فيها على تشجيع العلماء على دراسة السنة وإحيائها ، كما جعل لأهل العلم نصيبا من بيت المال يسد حاجاتهم الحياتية ؛ كي يتمكنوا من التفرغ للعلم وجمع الحديث ، ثم نشره .
مما سبق نفهم أن التدوين الرسمي للحديث بدأ عند خلافة عمر بن عبد العزيز ، وبطلب منه ، وهذا لا ينفي تقييد الحديث قبل زمن عمر ، فقد كان تقييد الحديث وحفظه في الصحف وعلى الرقاع والعظام منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لم يكن التقييد على هذه الصورة منقطعا ، كما مر بنا .
الآن انتهى الباب الأول في دراستنا وعما قريبا بإذن الله تعالى سنبدأ الباب الثاني أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعينني على ما بدأت وما انتهي منه ... إلى الباب الثاني

هــــــــــــــــدا وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

والخلفاء من بعده التابعين والأئمة المهدين



سبحانك اللهم وبحمدك اشهد إلا أنت أستغفرك ربي وأتوب إليك



والحمد لله رب العالمين

أبو جهاد الأنصاري
29-08-2014, 11:23 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يرفع جزاكم الله خيرا

جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة