أنصار السنة

أنصار السنة (https://www.ansarsunna.com/vb/index.php)
-   السنة ومصطلح الحديث (https://www.ansarsunna.com/vb/forumdisplay.php?f=17)
-   -   عندما تغييب السنة النبوية! (https://www.ansarsunna.com/vb/showthread.php?t=118751)

أبو جهاد الأنصاري 2026-01-16 10:16 PM

عندما تغييب السنة النبوية!
 
الحمد لله الذي بعث رسولَه بالهدى ودينِ ‏الحقِّ ليُظهرَه على الدينِ كلِّه ولو كرهَ ‏الكافرون، وصلاةً وسلاماً على من أرسله ‏اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه الذين ‏بذلوا أرواحَهم وأموالَهم في نُصرةِ وتبليغِ ‏هذا الدين. وبعد:

إن الإسلامَ كِيانٌ، ولكلِّ كيِانٍ منهجٌ، ‏وكيِانُ الإسلامِ هو الجماعةُ، ومنهجُ الجماعةِ ‏هو السُنَّةُ، وهذا ما يُعبَّرُ عنه بتسمية: (‏أهلِ السنةِ والجماعة).‏

وعندما أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ شرْعَ ‏الإسلامِ فإنَّه أنزلَه ليكونَ واقعاً على الأرضِ، وليس مجردَ سطورٍ مخطوطة، أو فصولٍ ‏مجموعةٍ في كتاب. وهذا يقتضي أن يكونَ ‏هناك نُسخةٌ بشريةٌ (عمليةٌ) من هذا ‏التشريعِ النظريِّ المكتوب، فأمَّا التشريعُ ‏المكتوبُ فهو القرآنُ الكريم، وأمَّا التطبيقُ ‏العمليُّ للقرآنِ فهو سُنَّةُ النبي صلى الله عليه ‏وسلم.‏

والسنةُ محورُ اهتمامِها هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأقوالِه وأفعالِه وتقريراتِه ‏وصفاتِه وأخلاقِه.‏

والسنةُ النبويةُ وحيٌ من اللهِ كان يَنزلُ به ‏جبريلُ عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يَنزلُ ‏بالقرآنِ الكريم، يقول تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا ‏هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. ‏وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ ‏يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [‏النجم:1-5]، فتَأملْ كلمةَ {يَنطق} والتأكيدُ ‏بعدها بأنه {وحي}!‏

وأمرَنا ربُّنا سبحانه وتعالى أن نأتَمِرَ بأوامرِ ‏النبي صلى الله عليه وسلم وننتهيَ عما ‏نهى عنه فقال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ ‏فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ ‏اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7] ‏

وأزالَ وصفَ الإيمانِ عن الذين يرفضون ‏حُكمَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ‏فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ‏حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ‏‏[النساء:65] فالتسليمُ للنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمرُ به أو ينهى عنه شرطٌ ‏من شروط الإيمانِ بالله، ولِمَ لا؟! أليس النبيُّ ‏‏صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا ‏عن الله؟

ووصَفَ أن طاعةَ الرسولِ بأنها طاعةٌ لله فقال ‏تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ ‏تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [‏النساء:80] لاحِظْ استخدامَ الفعلِ المضارعِ في ‏قوله تعالى: {يُطع} الذي يفيدُ الاستمرار.‏

وهَددَ وتَوعدَ كلَّ من يخالفُ النبي صلى الله عليه وسلم بسوءِ المصيرِ في جهنم: ‏‏{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ‏الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا ‏تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء:115]‏

وبيّنَ دَورَ السنةِ بأنها الـمُبَينةُ للقرآنِ ‏الكريمِ فقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ ‏لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏‏} [النحل:44]‏

وكلُّ هذه الآياتِ الكريمةِ أدلةٌ قطعيةٌ على ‏حُجيةِ السنةِ النبويةِ في التشريعِ الإسلامي، ‏ولا يمكنُ أن تنفصلَ السنةُ عن القرآن، ‏فالسنةُ هي الـمُبيِّنةُ لما أجمََلهُ القرآن، ‏وهي المخصِّصةُ لما عمَّمهُ القرآن، وهي ‏المقيِّدةُ لما أطلقَه القرآن. والسنةُ النبويةُ هي ‏أفضلُ تفسيرٍ للقرآنِ الكريمِ بعد تفسيرِ ‏القرآنِ بالقرآن. وبلُغةِ أهلِ القانونِ نستطيعُ ‏أن نصفَ السنةَ بأنها القانونُ الذي يوَضحُ ‏ويُفسرُ ويُفصلُ الدستورَ الذي هو عندنا‏‏ القرآنُ الكريم. فهل رأى أحدٌ دستوراً بلا ‏قانون؟! أو قانوناً بلا دستور؟!‏

ولا يُتصورُ عند أصحابِ العقولِ السليمةِ ‏أنْ ينفصلَ التطبيقُ العمليُّ عن الإطارِ ‏النظريِّ لأي منهجٍ من المناهج، ولا شك أنَّ ‏فصلَ التطبيقِ العمليِّ عن المنهجِ النظريِّ ‏ سيقعُ ضررُه على ذلكَ الإطارِ النظريِّ نفسِه، إذ سيكونُ عرضةً للتأويلاتِ الفاسدةِ، ‏والأهواءِ الساقطة.‏

وهنا سوف أُبينُ بعض المثالبِ والنقائصِ التي ‏لا بُد أننا سنقعُ فيها إذا ما نَحـَّّينا السنةَ ‏وأخَّرناها عن القرآنِ الكريم، وإذا ما ‏عطَّلناها وهمَّشناها وأزلنا عنها صفةَ الوحي.‏

[B][CENTER]فماذا سيحدثُ عندما تغيبُ السنة؟‏
[/CENTER][/B]

[B]أولاً: الجهلُ بمقاصدِ القرآنِ الكريم:‏[/B]
أخرج الإمامانِ البخاريُّ (‏‏4776) ومسلمٌ (124) في ‏صحيحَيهِما عن عبدِ الله بن مسعودٍ رضي ‏الله عنه قال: لما نزلت: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ ‏يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ ‏مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82]، شقَّ ذلك على ‏أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏وقالوا: أيُّنا لم يَلْبِس إيمانَه بظلم؟ فقال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس بذاك، ألا ‏تسمعْ إلى قولِ لقمانَ: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ ‏بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}؟.‏

الشاهدُ من هذا الحديثِ أن الصحابةَ وهم ‏أعلمُ المسلمينَ بعدَ النبي صلى الله عليه وسلم وهم أعلمُ الأُمةِ بلغةِ العربِ، لم يتبين لهم مَقْصدَ القرآنِ الكريمِ في الآية الأولى وظنوا – خطأً ‏‏– أنهم ليسوا من الآمنينَ وليسوا من المهتدين، بل نفوا أن يكون أحدٌ لم تَطَلهُ الآيةُ، وهنا لجأوا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليُبينَ لهمُ المقصدَ الحقيقيَّ للقرآنِ من ‏كلمةِ (ظُلم) وأنه ليس الذي فهموه ولكن ‏المقصودَ به هنا هو ما فصَّله القرآنُ في موضعٍ ‏آخرَ ألا وهو الشركُ بالله.‏

لولا هذا الحديثُ الشريفُ، ولولا ربطُ النبيِّ ‏‏صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ بآيةٍ ‏أخرى، لكانت الآيةُ الأولى نَصًّا صريحاً على ‏نفيِ الأمنِ والهدايةِ عن كل مسلمٍ على وجهِ ‏الأرض، فما من مسلمٍ إلا وقد لَبِسَ إيمانَه ‏بظلم ما. ومن هذا المثالِ الموجزِ المختصرِ يتبينُ ‏لنا أنه بدونِ السنةِ سوف نَضلُّ ونجهلُ ‏المقاصدَ الحقيقيةَ للقرآنِ الكريم.‏


[B]ثانياً: الجهلُ بأحكامِ العباداتِ وصفاتِها ‏وهيئاتِها:‏
[/B]يزخرُ القرآنُ الكريمُ بالكثيرِ من الآياتِ التي ‏تأمرُ المسلمينَ بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ ‏وصومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ، ولم يُبَينْ القرآنُ ‏الكريمُ كيفيةَ أداءِ هذه العباداتِ على وجهِ ‏التفصيل، بل تركَ هذا للسنةِ النبويةِ لتُوضحَ ‏كلَّ هذا، ولِيقفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين يديْ أصحابِه ليشاهدوه، ‏وليقولَ وائلُ بنُ حجرٍ: "لأشهدنَّ صلاةَ ‏النبي صلى الله عليه وسلم" تنفيذاً ‏لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "‏صَلوا كما رأيتموني أُصلي" فوصَفَ كيفيةَ ‏قيامِ وركوعِ وسجودِ وجلوسِ النبي صلى الله عليه وسلم ونقلَ للأُمةِ ما شاهدَ ‏ليقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في ‏أداءِ الصلاة.‏

عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبزى قال: كنا عند عمرَ ‏‏– يقصدُ ابنَ الخطابِ - فأتاه رجلٌ ..
فقال: يا ‏أميرَ المؤمنين إنا نمكثُ الشهرَ والشهرينِ لا ‏نجدُ الماء.
فقال عمرُ: أمَّا أنا فلمْ أكنْ ‏لأُصلي حتى أجدَ الماءَ
فقال عمارٌ –هو ابنُ ‏ياسر -: يا أميرَ المؤمنين تذكرُ حيث كنا ‏بمكانِ كذا ونحن نرعى الإبلَ فتعلمْ أنّا أَجنبْنا؟
‏قال: نعم،
قال: فإني تمرّغتُ في الترابِ ‏فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ‏فحدثتُه فضحك
وقال: (كان الصعيدُ ‏الطيبُ كافيك)، وضربَ بكفيهِ الأرضَ ثم ‏نفخ فيهِما ثم مسحَ بهما وجهَه وبعضَ ‏ذراعيه.‏
قال – أي عمر -: اتقِ اللهَ يا عمار،
قال: ‏يا أميرَ المؤمنينَ إن شئتَ لم أَذكرْهُ ما عشتُ ‏أو ما حييت،
قال: كلا واللهِ ولكن نُوَليك ‏من ذلك ما تَوليتَ.‏
‏[أخرجه الإمامُ أحمد في مسنده (4/ 319) ‏وأبو يعلى في مسنده (3/ 181) وابن حبانَ ‏في صحيحه (4/ 132)].

الشاهدُ أن السنةَ النبويةَ هي التي بَينتْ ‏الحكمَ التعبديَّ الذي لم يعلمه صحابيانِ جليلانِ ‏يقرآن القرآنَ أكثرَ مما نقرأُه نحن ،ويفهمانِ ‏القرآنَ أفضلَ مما نفهمُه نحن.
فقِسْ على هذا ‏الشاهدِ الكثيرَ والكثيرَ من أحكامِ القرآنِ ‏التي سوف تختلفُ فيها الأقوالُ لو لم تأتِ ‏السنةُ ببيانِها. فلولا السنةُ لقطعنا يدَ السارقِ ‏ولو سَرق قرشاً أو فلساً واحداً، ولاختلفنا ‏في موضعِ القطعِ أيَّما اختلاف. فالنبيُّ ‏صلى الله عليه وسلم يقول: (تُقطع ‏الأيدي في رُبعِ دينارٍ فصاعدا).‏
‏[ أخرجه البخاري عن عائشة (برقم ‏‏6789، 6790، 6791) ].‏

فتأملْ تحديدَ النبي صلى الله عليه وسلم ‏حدَّ القطعِ بأنه لا يكونُ إلا عندما يبلغُ قيمةُ ‏المسروقِ رُبعَ دينار، ولولا هذا لقَطعَ ‏المنكرونَ للسنةِ يدَ السارقِ الذي يسرقُ ‏قرشاً واحداً، وتأمل تحديدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم موضعَ القطعِ بأنه من الكفِّ، ولولاه لقَطعَ منكرو السنةِ يدَ ‏السارقِ من الكتف، ويكفي هذا المثالُ لتقرأَ ‏قولَ اللهِ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً ‏لِلْعَالَمِينَ} [الحج:107] بفهمٍ جديدٍ في ‏إطارِ السنة.‏


[B]ثالثاً: ادعاءُ التعارضِ في القرآنِ الكريم:‏[/B]
لا شكَّ أن ما أقولُه هنا عن خطرِ غيابِ ‏السنةِ سوف يُثيرُ حفيظةَ الكثيرين، ‏واستغرابَ الأكثرِ ولكن هذه هي الحقيقةُ فلا ‏أزعُمها، ولعل سؤالاتِ نافعِ بنِ الأزرقِ (‏توفي 65 هـ) للصحابي الجليلِ عبدِ الله بنِ ‏عباس – رضي الله عنه – خيرُ دليلٍ على ما ‏أقول.‏

ونافعُ بنُ الأزرقِ هذا هو أحدُ رؤوسِ الخوارجِ ‏ومؤسسٌ لفرقةِ الأزارقة، وكان – قبل أن ‏يَرفع رايةَ الخروجِ ويقعَ في الفتنة - قد وجَّه ‏العديدَ من الأسئلةِ لعبدِ الله بنِ عباسٍ لبعض ‏الأمورِ التي تختلفُ عليه في القرآنِ الكريم، ‏فعندما يقرأُ أحدٌ أسئلةَ نافعٍ قد يظن بُرهةً ‏أن هناك تناقضاتٍ عظيمةً وتعارضاتٍ في ‏القرآن الكريم، ولكن تأتي إجاباتُ حَبرِ ‏الأُمةِ وكأنها النورُ لتَجلِيَ عن الذهنِ ما ‏وقع فيه من لُبسٍ، ولتُبيِّنَ قيمةَ السنةِ في دفْعِ ‏الشبهاتِ عن القرآنِ الكريم.‏

وأترُككم مع هذا الحديثِ الذي رواه ‏البخاريُّ رحمه الله عند تفسيرِه لسورةِ ‏السجدةِ في صحيحِه: (وَقَالَ الْمِنْهَالُ ‏
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ – قال ‏ابن حجر أنه نافع ابن الأزرق - لابْنِ عَبَّاسٍ ‏إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ،
قَالَ: ‏‏{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}، ‏‏
{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}.
{وَلَا ‏يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}، {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا ‏مُشْرِكِينَ} فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَالَ: {‏أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا} إِلَى قَوْلِهِ {دَحَاهَا} فَذَكَرَ ‏خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ
ثُمَّ قَالَ: {‏أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي ‏يَوْمَيْنِ} إِلَى قَوْلِهِ: {طَائِعِينَ} فَذَكَرَ فِي هَذِهِ ‏خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ.
وَقَالَ: {‏وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، {عَزِيزًا حَكِيمًا}، {سَمِيعًا بَصِيرًا} فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى؟
فَقَالَ – أي ابن عباس -: {فَلَا أَنْسَابَ ‏بَيْنَهُمْ} فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ‏‏{فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ‏إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}، فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ‏ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ {‏أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}.‏
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، {وَلَا ‏يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ ‏الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا ‏نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ‏فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا ‏يُكْتَمُ حَدِيثًا وَعِنْدَهُ {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} ‏الْآيَةَ.‏
وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ ‏اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ ‏آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ، وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ ‏مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ ‏وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ ‏قَوْلُهُ: {دَحَاهَا}.‏
وَقَوْلُهُ : {خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}، فَجُعِلَتْ ‏الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ‏وَخُلِقَتْ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ.‏
‏{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ ‏وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ ‏يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ فَلَا يَخْتَلِفْ ‏عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).

إن سؤالاتِ نافعِ بنِ الأزرقِ وإجابةَ ابنِ عباسٍ ‏عليها، لتفقأُ عيونَ منكري السنةِ الذين ‏يريدون أن يَفصلوا بين القرآنِ والسنة، ‏ونقولُ لهم انظروا إلى هذه الآياتِ – ‏المتعارضةِ ظاهرياً – التي ألقاها نافعٌ على حَبرِ ‏الأُمة، وماذا لو لم يكن هناك مثلُ ابنِ عباسٍ ‏يجيبُ بما تعلَّمه مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومِن أصحابِه فهل ‏كان لهم من مَخرجٍ في ردِّ هذا التعارضِ في ‏القرآنِ إلا بالسنة النبوية؟!‏

إن الذي أريدُ أن أَخلُصَ إليه في نهايةِ المقالِ هذا هو أن أَصِلَ إلى نهايةٍ محددةٍ ‏ونتيجةٍ واحدةٍ ألا وهي أنَّ في غيابِ السنةِ ‏غيابًا للمعنى الحقيقيِّ للقرآن.‏

[B]وصدقَ أبو عبدِ الله البربهاريُّ عندما افتتح ‏كتابَه " شَرْحُ السنة" قائلاً: " السُنَّةُ هي ‏الإسلامُ والإسلامُ هو السُنَّة".‏
[/B]


الساعة الآن »02:01 AM.

Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2026 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة