نقلا عما جاء في أحد المقالات التي تقول في ذلك الكلام:
الفرق بين علماء الحق وعلماء الباطل:
كل النصوص التي تتحدث عن العلماء وفضلهم، ومكانتهم ومنزلتهم، وتحذر من النيل منهم، تقصد فئة العلماء العاملين الناهضين بأعباء ميراث النبوة، الموفين بمقتضى الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالجهر بالحق وبيانه، والصدع به وعدم كتمانه، فالعلماء بالمعنى الشرعي، كما قال الإمام الشافعي: (هم العلماء العاملون).
وبقدر ما رفع الله من شأن هؤلاء حط وخفض من منزلة غيرهم من علماء السوء الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، وقص علينا في القرآن من شأن هؤلاء ما فيه عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فذكر في سورة الأعراف مثلاً لهؤلاء هو ذلك العالم الذي آتاه الله آياته وعلمه اسمه الأعظم - كما يقول المفسرون - لكنه لم يقم بحق العلم، بل أخلد إلى الأرض واتبع هواه وانغمس في شهواته، وبدلاً من أن يرشد قومه إلى سبل الخير دلهم على سبل الشر، فاستحق ما وصفه الله به في نهاية الآيات {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الاعراف:175-176) .
وبغض النظر عن اسم هذا الرجل الذي قيل أنه (بلعام بن باعوراء) فإن الآية كما يقول القرطبي: (عامة في كل من تعلم القرآن ولم يعمل به، وألا يغتر أحد بعلمه ولا بعمله).
وضرب الله مثلاً آخر بعلماء اليهود الذين لم يعملوا بمقتضى العلم الذي حملوه، فقال في شأنهم: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين} (الجمعة:5) ، وقال في شأن علماء أهل الكتاب الذين استخدموا علمهم لأغراض دنيوية {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} (البقرة:79) ، وقال فيهم أيضاً: {إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} (التوبة:34) .
وصد علماء السوء عن سبيل الله يكون بأحد أمرين:
1) عدم عملهم بعلمهم، وهذا صد عملي للناس عن الحق لأن العامة يقتدون بالعلماء الذين يمثلون بالنسبة لهم القدوة الحسنة والأسوة المثلى.
2) تحريفهم لآيات الله واشتراءهم بها ثمناً قليلاً، وهذا صد علمي بتحريف الكلم عن مواضعه، وتأويل الأحكام اتباعاً للهوى، وتجميع الرخص، والمداهنة في دين الله تبارك وتعالى، ومع ما قصه الله من خطورة شأن هذه الفئة من علماء السوء على دين الله تبارك وتعالى، فإن مختلف العصور التاريخية تؤكد وتعضد هذه الحقيقة، ولسنا بحاجة للتنقيب في أسفار التاريخ البعيد، ففي الماضي القريب والحاضر المشاهد أمثلة حية تغني عن ذلك ومنها:
المثال الأول: عندما تبنى الهالك جمال عبد الناصر الملة الاشتراكية، والزم الناس بها بقوة الحديد والنار، وبدلاً من أن يقف الأزهر وعلماؤه - المعروفة مواقفهم التاريخية لنصرة الإسلام والدفاع عنه - في وجه هذا الطاغية وملته الخارجة عن الإسلام، قام شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت بالترويج لهذا المذهب الهدام، والدعاية له باسم الإسلام من خلال برنامجه الإذاعي اليومي " الاشتراكية والحياة " فضل بسبب ذلك كثير من المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله!!
المثال الثاني: وعندما قرر نفس الطاغية إعدام نخبة من خيرة رجال ودعاة مصر في ذلك الوقت 1954 وهم عبد القادر عودة وإخوانه استصدر فتوى من الأزهر بذلك فجاءته جاهزة تقول: إن هؤلاء كفار لا تقبل توبتهم! وقد جاء الطاغية عبد الناصر بهذا المفتي بعد أن رفض الشيخ محمد خضر حسين أن يفتيه بتلك الفتوى التي ما هي إلا مثال لفتاوى تصدر اليوم داخل الجزيرة وتعرض وتصرح أحياناً بأئمة الدعوة وعلمائها من أمثال الشيخ سلمان وسفر... وغيرهم.
إن مثل هذه المواقف من هذه الفئة من علماء السوء هي التي شجعت أهل الباطل على باطلهم، وخذلت أهل الحق عن حقهم، وطعنت في دين الله وميعت عقيدة التوحيد والولاء والبراء، وعملت على انتشار مذاهب الضلال وعقائد الإلحاد، كل ذلك مقابل ثمن بخس دراهم معدودة باع بها هؤلاء دنياهم وآخرتهم بدنيا غيرهم ولا حول ولا قوة إلا بالله!
لقد صدق على بن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال: (قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك).
إن فساد الدين أساسه فساد فئتين من الناس هم العلماء والحكام كما قال ابن المبارك رحمه الله:
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
وفساد الحكام سببه فساد العلماء، وفساد العلماء سببه الإخلاد إلى الأرض وحب المال والجاه، يقول أبو حامد الغزالي واصفاً حال علماء عصره بعد أن ذكر من مواقف علماء السلف وتضحيتهم في سبيل الحق وعدم اكتراثهم ببأس السلاطين، (وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم، فلم ينجحوا ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا، ففساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا فلم يقدر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوك والأكابر، والله المستعان على كل حال) [إحياء علوم الدين ج7/92].
إن ما سبق من النصوص والنقول يبين بكل جلاء أن الوقوف لهذه الفئة من علماء السوء بالمرصاد لكشف باطلهم وتعرية ضلالهم وفضح مخططاتهم، يأتي في مقدمة أولويات العمل للإسلام والدفاع عنه والسعي في التمكين له، وما وقوف علماء الإسلام ضد علماء البدع والضلال والأهواء ومناظرتهم لهم وردهم عليهم إلا أمثلة للقيام بهذا الواجب، ومن المواقف المشهورة في هذا المقام مواقف الإمام أحمد ضد المعتزلة ومواقف ابن تيمية من الفرق الضالة، وموقف الشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر رحمه الله ضد مبادئ الاشتراكية العلمانية وطغاة مصر في عهده.
إن الرد على هذه الفئة من علماء السوء باب مستقل عن الرد على أخطاء العلماء الحقيقيين، لأن علماء السوء من جنس أعداء الدين، وليسوا داخلين في مسمى أهل العلم بالمعنى الشرعي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الذي لا يهابون في الحق سلطاناً جائراً ولا حاكماً كافراً، وهذا التفريق بين الفئتين ضروري قبل أن ندخل في فقرة أحكام وحدود طاعة واتباع وتعظيم العلماء في الإسلام وذلك حتى لا يحصل اللبس أو الخلط.