بسم الله الرحمن الرحيم
يتبع موضوع :
منهج الأشاعرة في العقيدة
الله المستعان
ومن الثابت عن كثير من السلف ، وعليه جرى المصنفون في الفرق والمقالات من أهل السنة والأشاعرة ، أن أصول الفرق الثنتين والسبعين الخارجة عن أهل السنة والجماعة أربع "القدرية ، والشيعة ، والخوارج ، والمرجئة ".
فنقول بعد ذلك:
إذا كان المرجىء والقدري ليسا من أهل السنة فما حكم من جمع بين الإرجاء والقدر، أو الإرجاء والجبر، أو جمع بين أصول المعتزلة وقول الرافضة ؟
أيكون هذا من أهل السنة والجماعة أم أكثر بعداً منهم؟
والجواب الطبيعي معروف.
وعليه نقول:
1- إذا كانت المرجئة الخالصة [أي التي لم تخلط بالإرجاء شيئاً من البدع في الصفات أو غيرها ليست هي أهل السنة والجماعة ولا منهم، فكيف يكون حال الأشاعرة الذين جاءوا بالإرجاء كاملاً وزادوا عليه بدعاً أخرى في أبواب العقيدة الأخرى كما مر سابقاً.
2- إذا كانت الجبرية الخالصة ليست هي أهل السنة والجماعة ولا منهم، فكيف يكون حال الأشاعرة الذين جاءوا بالكسب [الذي اعترف كثير منهم بأنه جبر وإن لم يكن جبراً فهو بدعة على أي حال] وزادوا عليه كما سبق.
أضف إلى هذا أن كل ذم للصوفية فـللأشاعرة منه نصيب لأن أكثر أئمة الصوفية المنحرفين كـالغزالي وابن القشيري كانوا أشاعرة ...
3- هل يرضى الأشاعرة أن يقال عنهم معتزلة ؟
فإن قالوا: لا. وهو المتوقع.
قلنا: وأهل السنة والجماعة لا يرضون أن يقال عنهم أشاعرة أبداً.
فإن خالفونا، قلنا: تعالوا لنقيس نحن وأنتم المسافة بينكم وبيننا وبينكم وبين المعتزلة وعندها ترون أنكم أقرب إليهم منكم إلينا وإن كنتم أقرب إلينا منهم.
4- لو أن أي باحث في الفرق يعرف أصولها وضوابط تحديدها اطلع على كتب فرقة من الفرق أو علم من الأعلام فوجدها مملوءة شتماً وتضليلاً وتبديعاً وتكفيراً لفرقة معينة.
فهل يجوز له أن يكتب في بحثه أن هذه الفرقة وتلك سواء؟
أو أن هذا جزء من هذه؟
وهل يَقبل هذا منه أي أستاذ للفرق والمذاهب؟
بل لو سمعت أحداً من العامة يشتم طائفة من الناس فقلت له: أنت منهم، أفيرضى بهذا أم يعتبره شتماً له؟
فما القول إذاً في الأشاعرة الذين تمتلئ كتبهم بشتم وتضليل وتبديع أهل السنة والجماعة وأحياناً بتكفيرهم، أيصح بعد هذا أن نقول: إنهم منهم؟
وإن أردت التأكد فاسأل أي أشعري ما المراد بقول الرازي أو الجويني أو الإيجي ... إلخ [الحشوية ، المجسمة ، النابتة ، مثبتو الجهة، القائلون بأن الحوادث تحل في الله... ] إلخ. [48]
إن الأجوبة كلها بدهية ولكن ماذا نصنع وقد ابتلينا بمن ينكر البدهيات!
5 - أيهما الفرقة الناجية؟
قد أوضحنا فيما سبق أن أهل السنة والجماعة والأشاعرة فرقتان مختلفتان، وهذا يستلزم تحديد أيهما الفرقة الناجية ؟
وما أوضح هذا التحديد وأسهله، لكن مكابرة بعض الأشاعرة بادعاء أن الأشاعرة وأهل السنة والجماعة كلاهما ناج يجعلنا نبدأ بإلقاء سؤال عن الفرقة الناجية :
أهي فرقة واحدة أم فرقتان؟
والجواب: -مع بداهته لكل ذي عقل- مفروغ منه نصاً، فقد أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في روايات كثيرة لحديث افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: { كلها في النار إلا واحدة }.
وما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أحد من أصحابه ولا تابعيهم أنها اثنتان.
وعليه جاء تفسير قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] أن الطريق المستقيم هو السنة والسبل هي الأهواء وما هو إلا طريق واحد كما خط النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده.
وعلى هذا سارت كتب الفرق -السني منها والبدعي- فهي تقرر أن الفرقة الناجية واحدة ثم تدعي كل فرقة أنها هي هذه الواحدة.
بقي إذاً أن يقال:
ما هي صفة هذه الفرقة وعلامتها؟
والجواب: أنه جاء في بعض روايات الحديث نفسه -من طرق يقوي بعضها بعضاً- أنها: { ما أنا عليه وأصحابي } ومعناها قطعاً صحيح، ولا تخالف فيه الأشاعرة ؛ بل في الجوهرة :
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
فنقول لهم إذاً:
أكان مما عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه وسلف الأمة "تقديم العقل على النقل أو نفي الصفات ما عدا المعنوية والمعاني، أو الاستدلال بدليل الحدوث والقدم، أو الكلام عن الجوهر والعرض والجسم والحال، أو نظرية الكسب، أو أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، أو القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو الكلام النفسي الذي لا صيغة له، أو نفي قدرة العبد وتأثير المخلوقات، أو إنكار الحكمة والتعليل... إلى آخر ما في عقيدتكم؟ إننا نربأ بكل مسلم أن يظن ذلك أو يقوله".
بل نحن نزيدكم إيضاحاً فنقول:
إن هذه العقائد التي أدخلتموها في الإسلام وجعلتموها عقيدة الفرقة الناجية بزعمكم، هي ما كان عليه فلاسفة اليونان ومشركو الصابئة وزنادقة أهل الكتاب.
لكن ورثها عنهم الجهم بن صفوان وبشر المريسي وابن كلاب وأنتم ورثتموها عن هؤلاء، فهي من تركة الفلاسفة والابتداع وليست من ميراث النبوة والكتاب.
ومن أوضح الأدلة على ذلك أننا ما نزال حتى اليوم نرد عليكم بما ألفه أئمة السنة الأولون من كُتُب في الردود على "الجهمية " كتبوها قبل ظهور مذهبكم بزمان، ومنهم الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والدارمي وابن أبي حاتم .
فدل هذا على أن سلفكم أولئك الثلاثة وأشباههم مع ما زدتم عليهم وركبتم من كلامهم من بدع جديدة.
على أن المراء حول الفرقة الناجية ليس جديداً من الأشاعرة ، فقد عقدوا لـشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية محاكمة كبرى بسبب تأليفه "العقيدة الواسطية " وكان من أهم التهم الموجهة إليه أنه قال في أولها: " فهذا اعتقاد الفرقة الناجية ...".
إذ وجدوا هذا مخالفاً لما تقرر لديهم من أن الفرقة الناجية هي الأشاعرة والماتريدية . [49]
وكان من جواب شَيْخ الإِسْلامِ لهم أنه أحضر أكثر من خمسين كتاباً من كتب المذاهب الأربعة وأهل الحديث والصوفية والمتكلمين كلها توافق ما في الواسطية وبعضها ينقل إجماع السلف على مضمون تلك العقيدة.
وتحداهم رحمه الله قائلاً:
'قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين فإذا جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة.. يخالف ما ذكرت فأنا أرجع عن ذلك'.
قال: ' ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه ' [50] .
فهل يريد الأشاعرة المعاصرون أن نجدد التحدي ونمدد المهلة أم يكفي أن نقول لهم ناصحين:
إنه لا نجاة لفرقة ولا لأحد في الابتداع، وإنما النجاة كل النجاة في التمسك والاتباع...
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
تبين مما تقدم أن الأشاعرة فرقة من الثنتين وسبعين فرقة، وأن حكم هذه الفرق الثنتين وسبعين هو:
1- الضلال والبدعة.
2- الوعيد بالنار وعدم النجاة.
وهذا مثار جدل كبير ولغط كثير ممن يجهلون مذهب أهل السنة والجماعة في الوعد والوعيد، إذ ما يكادون يسمعون هذا حتى يرفعوا عقيرتهم بأننا ندخل الأشاعرة النار ونحكم عليهم بالخروج من الملة -عياذاً بالله-.
ونحن نقول:
إنه لا يصح تفسير ألفاظ أو إطلاقات مذهب السلف في الوعد والوعيد إلا من خلال أقوالهم هم، وعلى الذين يجهلونه أن يستفصلوا قبل أن يتسرعوا بادعاء التكفير.
يتبع إن شاء الله
<!-- / message -->