
2011-01-25, 01:23 AM
|
|
عضو جديد بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2010-12-15
المشاركات: 32
|
|
يقول الله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد}، ومعنى يشري؛ أي يبيع، والمقصود من الآية؛ أن يبذلها في الجهاد في سبيل الله أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل ابتغاء مرضاة الله وطلبا لرضاه.
ومما ورد في سبب نزول هذه الآية؛ أن عمر بن الخطاب سمع إنسانا يقرأ هذه الآية فقال عمر: (إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقُتل)، وهو تفسير ابن عباس لها.
وقيل: نزلت فيمن يقتحم القتال، حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو هريرة {ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله}، ومثله عن أبى أيوب.
وقال القرطبي رحمه الله: (أصل الشراء بين الخلق والخالق؛ أن يعوضوا عما خرج من أيديهم بما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج منهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضاً عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانية المعوض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال ومن الله الثواب والنوال فسُمي هذا شراءً)[1].
[1]) تفسير القرطبي: 8/267.
وقال تعالى: {قُتِل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}.
والأخدود؛ هو الشق المستطيل في الأرض.
وقد أورد أهل التفسير في هذه الآية ما ورد عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمئشار فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال: له الملك ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام ثم رماه، فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق)[1].
وهذه الآية وما ورد في الحديث؛ يدلان دلالة واضحة على فضل من قدم نفسه رخيصة في سبيل إعلاء دين الله وكلمته، فهذا الغلام المؤمن قدم نفسه واسترخصها في سبيل دينه، وطمعا في هداية قومه، وذلك بعد أن سلمه الله ونجاه من القتل عدة مرات، ودل الملك على الطريقة التي يستطيع أن يقتله بها ليحقق مقصوده في هداية الناس، وهو بذلك يكون ولا شك شريكاً في إزهاق نفسه.
صحيح أنه لم يزهقها بيده، ولكن رأيه كان هو السبب الوحيد والمؤثر في قتله، ولو طلب رجل من آخر أن يقتله بسبب يأسه من الشفاء من مرض أصابه - مثلا - لقلنا؛ أنه منتحر ولا شك، ولا عبرة حينئذ باليد القاتلة، لأنه هو الذي طلب من الآخر أن يقتله، والمتسبب بالقتل مثل القاتل وعليه القود عند جمهور العلماء - كما سيأتي بيانه إن شاء الله - فكذلك هنا.
ولما أثنى الله تعالى ورسوله على الغلام وفعله؛ دل ذلك على الفرق الأصيل بين القتلتين، فمُدِح الغلام الذي تسبب بقتل نفسه في إعزاز الدين وهداية الخلائق، وذُم من قتل نفسه يأسا من رحمة الله وفرارا من البلاء، وهذا وجه واضح جلي على جواز ما يسمى بالعمليات الاستشهادية.
[1]) الحديث رواه مسلم في كتاب الزهد والرقاق، ورواه أحمد وابن حبان والبيهقي والبزار عن صهيب رضي الله عنه.
|