
2011-01-25, 01:34 AM
|
|
عضو جديد بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2010-12-15
المشاركات: 32
|
|
ولذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تعليقه على هذا القصة: (وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد - مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره - كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أول) [1] اهـ.
ويتضح من قول شيخ الإسلام استدلالا بقصة الغلام أن من فعل ما يعلم أنه مقتول به لأجل مصلحة الجهاد؛ أنه لا حرج عليه ولا يدخل في الوعيد الوارد في قتل النفس.
وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: سمعت أبي وهو يحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع الرجل إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل[1].
وفي الحديث دلالة واضحة أن هذا الصحابي الكريم علم أنه مقتول، ولذلك فقد سلم على أصحابه سلام مودع، وأقره على ذلك من كان حاضرا من الصحابة وغيرهم، وفيه دلالة على جواز الإقدام في موطن يعلم صاحبه أنه مقتول إن كان ذلك في سبيل الله تعالى وخدمة لدينه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟)، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا، فقال: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟)، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا)[2].
فقد تقدم هاهنا سبعة من الأبطال واحدا تلو الآخر للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل واحد يرى صاحبه الذي تقدمه قد قتل، حتى قتل السبعة جميعهم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم جميعا رفقاءه في الجنة، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟)، إشارة إلى أن من سيتقدم فهو مقتول، ومع ذلك تقدم جميعهم.
[1]) رواه مسلم وأحمد وابن حبان والبيهيق وأبو يعلى.
[2]) رواه مسلم وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة وابن أبي شيبة.
[1]) مجموع الفتاوى: ج28/540.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ما شطة ابنة فرعون وأولادها، قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك، قالت: نعم، فأخبرته فدعاها، قال: يا فلانة وإن لك ربّاً غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت - أي قدر كبير - ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت...)[1].
وفي الحديث أن الله تعالى أنطق الطفل ليأمر أمه بالاقتحام في النار، وهذا كطفل المرأة التي في قصة أصحاب الأخدود، ولو كان في قتل النفس للدين أي محظور؛ لما أثنى الشارع على هذا الفعل، وما إنطاق الطفل إلا آية لبيان فضل هذا الفعل.
[1]) رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أبا عمر الضرير لم يرضاه ابن معين، وقال فيه الذهبي: صدوق حافظ من كبار العلماء المتفننين، وقال أبو حاتم الرازي هو صدوق، وقد وثقه ابن حبان، راجع ميزان الإعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي: 2/329.
|