عرض مشاركة واحدة
  #111  
قديم 2011-01-25, 04:46 AM
hamdochi hamdochi غير متواجد حالياً
عضو نشيط بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2010-11-12
المكان: المغرب
المشاركات: 179
افتراضي

العمليات الانتحارية



قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى"(25/281):

(فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل نفسه أو تسببه في ذلك

وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له، كما قال تعالى: "إن الله اشترى من

المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وقال: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله"

أي يبيع نفسه.

والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة لا بما يستحسنه المرء أو يجده أو يراه من الأمور

المخالفة للكتاب والسنة) أ.هـ







كتبها:

أبو عمار علي الحذيفي





مقدمة:
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه مناقشة علمية مختصرة في "العمليات الانتحارية" جعلتها بين طرفين، والطرف الأول هم المانعون من العمليات الانتحارية، والطرف الثاني هم المجيزون لها، وسقتها بأسلوب سهل ليفهمها الطلاب المبتدئون، ولاسيما بعد أن وجدنا للمجيزين تجلدا عجيبا وإصرارا غريبا في التمسك بهذا الرأي الضعيف.

أدلة المانعين:

قال المانعون:
إن العمليات الانتحارية هي كاسمها لها حكم الانتحار، بل هي الانتحار بعينه، ولذلك نرى أنها محرمة لعدة أدلة منها:
1- قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة)، وهذا عموم في اللفظ ولا عبرة بخصوص السبب، لأن النهي في الآية عام فيمن ألقى بنفسه لما فيه هلاكه فهو يشمل كل صور إهلاك النفس، وسبب نزول الآية هو الإمساك عن النفقة في سبيل الله، وإنما هو بعض العموم، فهو داخل في العموم كما هو معروف من قواعد المفسرين، ولا حجة لأحد في إخراج سائر العموم من الآية ومن أخرج سائر الأفراد فهو مطالب بالدليل.
2- ومنها قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن قتل نفسه بحديدة عذب به في نار جهنم) رواه الشيخان عن ثابت بن الضحاك، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا) رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، فهذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث تحرم على الإنسان أن يقتل نفسه، وهي نصوص عامة يدخل فيها كل ما يطلق عليه أنه قتل للنفس، وغيرنا متفق معنا أن هذه العمليات من قتل النفس وإنما نحن مختلفون في حكمه هل هو قاتل لنفسه له حكم المنتحر، أو قاتل لنفسه له حكم المستشهد.
3- ومن ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" عن سلمة بن عمرو بن الأكوع في حديث طويل وفيه قال سلمة: (فلما قدمنا خيبر قال خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: "قد علمت خيبر أني مرحب، شاكي السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب"، قال: "وبرز له عمي عامر فقال: "قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر"، قال: "فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقلت يا رسول الله بطل عمل عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال ذلك ؟" قال: قلت: ناس من أصحابك قال: "كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين").
والشاهد في الحديث أن الصحابة أنكروا قتل النفس ولو في المعركة مع الكفار لأنهم لا يعرفون هذا الشيء في حروبهم فرأوه شيئا غريبا، فإذا كان قد أنكروا ذلك ولو عن طريق الخطأ فكيف بالمتعمد ؟!
4- ومن ذلك الإجماع على تحريم قتل الإنسان لنفسه، وقد نقل الإجماع غير واحد منهم شيخ الإسلام حيث قال رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (25/280): (وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والإجماع كما ثبت عنه في "الصحاح").

أدلة المجيزين:

قال المجيزون:
إن مثل هذه العمليات الاستشهادية المذكورة تعتبر من النوازل المعاصرة التي لم تكن معروفة في السابق بنفس طريقتها اليوم، فيجتهد العلماء في تنزيل النصوص عليها وإلحاقها بالعمومات، ونحن نرى أن الأدلة قد دلت على جواز هذه العمليات، بل وورد عن سلفنا ما يدل على مشروعية هذا العمل، فمن هذه الأدلة:
1- قصة غلام الساحر الذي دل الملك على قتله وحديثه مشهور بغلام الساحر، فقد روى مسلم في "صحيحه" عن صهيب مرفوعا وفيه: (فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال: الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام).
2- ومن الأدلة على مشروعية العمليات الاستشهادية ما ذكره أهل العلم من جواز الانغماس في العدو وهذا باتفاق المذاهب الأربعة وغيرها، ولهذا أدلة كثيرة من الكتاب والسنة ذكرها شيخ الإسلام في رسالة خاصة أسماها: "الانغماس في العدو" بين فيها أدلة الجواز وذكر لها أدلة كثيرة، بل وذكر بعض المعاصرين آثارا كثيرة عن سلفنا الصالح تدل على الانغماس في العدو.
قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى"(28/540): (وقد روى مسلم في "صحيحه" عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها: "أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين" ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين).

مناقشة المجيزين لأدلة المانعين:

قال المجيزون:
وأما استدلالكم يا معاشر المانعين بقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة) فاستدلال غير صحيح لأن المنغمس في العدو ليس مهلكا لنفسه، ومعاذ الله أن يفتي الأئمة الأربعة وغيرهم بما يفضي إلى هلاك الإنسان وإتلافه.
ثم إنه قد أنكر عمر بن الخطاب وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما من الصحابة على من نزل هذه الآية على من انغمس في العدو.
قال المجيزون:
وأما الاستدلال بقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن قتل نفسه بحديدة عذب به في نار جهنم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا) وغيرها من النصوص التي تحرم قتل الإنسان لنفسه، فالاستدلال بها هنا غير صحيح أيضا، فإن هذه النصوص فيمن قتل نفسه جزعا وتسخطا على القدر أو اعتراضا على المقدور واستعجالا للموت أو تخلصا من الآلام والجروح والعذاب أو يأسا من الشفاء، أما من بذل نفسه مجاهدا فرحا مستبشرا متطلعا للشهادة والجنة، يريد نصرة الدين والنكاية بالعدو والجهاد في سبيله فهذا أمر آخر، فقياس هذه الحالة على هذه الحالة قياس مع الفارق.
قال المجيزون: ويجاب عما رواه مسلم في "صحيحه" عن سلمة بن عمرو بن الأكوع في قصة عمه عامر بن الأكوع بأن يقال: إنما حكموا بأنه قتل نفسه لأنه لم يحصل منه ضرر على العدو، وأما العمليات الاستشهادية فلا يشك أن فيها إضرارا بالعدو ونكاية تامة به.

رد المانعين على استدلالات المجيزين:

قال المانعون:
1- قد أطلعنا على ما ذكرتموه أيها المجيزون، ورأينا أن مثل هذه العمليات عندكم تعتبر من النوازل المعاصرة التي لم تكن معروفة في السابق بنفس طريقتها اليوم، فيجتهد العلماء على تنزيلها على النصوص، هكذا تقولون !! وكأنكم تشيرون إلى أنها مسألة اجتهادية لا إنكار على من قال: "بأنها عمليات استشهادية".
ويقال في الجواب عن ذلك: إن كنتم تعنون أنها من المسائل الاجتهادية التي اختلفت فيها أنظار العلماء، وللمفتي فيها أجر على كل حال وبإطلاق فهذا غير صحيح، وإنما يؤجر فيها من اجتهد من أهل العلم المعروفين بالتحري للصواب والباحثين عنه والمولين وجوههم شطره، والذين بذلوا فيه ما بوسعهم من النظر في الأدلة، فمثل هؤلاء يرجى لهم أن لا يكونوا آثمين إن شاء الله في فتواهم، وهذا الصنف اليوم أندر من الكبريت الأحمر.
وأما من تصدر لها وهو ليس من أهلها أو تكلف في الاستدلال لشيء في نفسه أو انتصارا لمتبوعه أو تبريرا لأئمة الحزب أو الاتجاه التي ينتمي إليه كما قد عهدناهم في كل مرة يبررون أخطاء اتجاهاتهم ويبحثون لها عن أدلة، فقد وجدناهم تكلفوا في الاستدلال لمسألة التمثيليات والمسرحيات، ومسألة الانتخابات الحكومية ومسألة التعدد الحزبي ومسائل أخرى لا وقت لذكرها هنا، فهذا لا نرى أنه داخل في عموم المجتهد المأجور كيف يكون كذلك وهو يتكلف في تطويع النصوص لصالح مذهبه، بل نخشى عليه من مغبة التسرع في الفتوى وإثم من اتبعه على هذا الغلط.
على أن بعضهم قد يرى أنها حق وأن المخالف فيها مستأجر للغرب كما ذكر ذلك الدكتور إبراهيم عوض حيث قال في "مقالاته": (يحاول الغربيون عبثا، عن طريق فتاوى المذلة والضلال، إيهامهم بأنها عمليات انتحارية كي يبثوا روح التخذيل فى نفوسهم وينزعوا من أيديهم هذا السلاح العبقري الذى لا قبل لهم ولا لأمثالهم به ممن يحبون الحياة حبا جما!) أ.هـ ولا شك أن هذا قول رديء، وصاحبه أعماه الحماس عن التدقيق والتحقيق.

يتبع بعون الله...
__________________

عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن أخوفَ ما أخافُ عليكم رجل قرأ القرآن ، حتى إذا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عليه، وكان ردءاً للإسلام غيره إلى ما شاء الله ، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسَّيفِ ، ورماه بالشرك))

قال: قلت : يا نبي الله أيهما أولى بالشرك: المرمي أم الرامي؟

قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بل الرامي)) رواه ابن حبان في صحيحه(1/281-282رقم81)، والبزار(7/220رقم2793) وحسنه.