ضوابط مهمة في قتل النفس:
قال المانعون:
وعندنا هنا ضوابط مهمة ينبغي أن يكون الطرفان على بينة منها لأنها تفرق بين أمور متشابهة التبست على كثير من الناس، فإليك هذه الضوابط:
الضابط الأول:
هناك فرق بين تعمد الإنسان أن يقتل نفسه ولو لغرض الإضرار بالعدو، وبين سلوك سبب شرعي ينتهي فيها بقتل نفسه، والفرق بينهما أن في النوع الأول من مباشرة الإنسان لقتل نفسه ما ليس في الثاني.
قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى"(25/281): (فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل نفسه أو تسببه في ذلك وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له، كما قال تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وقال: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيع نفسه) أ.هـ
الضابط الثاني:
الطريقة التي يتسبب الإنسان بها في قتل نفسه يجب أن تكون توقيفية، أي: متوقفة على ما ورد في الشريعة لا بما يراه هو حسنا، فهو توقيفية لا اجتهادية فلا يحل أن ينصب لموته سببا لم ينصبه الشارع، وإلا فإنه يدخل في عمومات تحريم قتل النفس.
وبعد الذي سمعنا به من أن البعض قد يقتل نفسه للإضرار بالعدو، فإننا نخشى أن تأتي علينا أيام يخرج علينا فيها جيل يرون أن من شرط التوبة أو من كمالها أن يقتل الإنسان نفسه قربة إلى الله، فمن هنا نقول: إنها توقيفية.
قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى"(25/281): (فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل نفسه أو تسببه في ذلك وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له، كما قال تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وقال: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيع نفسه.
والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة لا بما يستحسنه المرء أو يجده أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة) أ.هـ
قال المانعون:
وأما قولكم أيها المجيزون: (إن إلحاق المستشهد بالمنتحر قياس مع الفارق)، فيقال: إن هذا ليس قياسا وإنما هو أخذ بعموم النصوص التي تحرم قتل النفس، فمستندنا هو عموم النصوص لا القياس، إذ المنع في هذه النصوص عام وليس فيها ما يشير إلى أي تفريق بين من قتل نفسه جزعا وتسخطا على القدر أو اعتراضا على المقدور واستعجالا للموت، وبين من بذل نفسه مجاهدا متطلعا للشهادة والجنة، يريد النكاية بالعدو والجهاد في سبيله، فدعوى أن الأخذ بالعموم هو إلحاق فرع بأصل غير صحيح.
وهذا عمرو بن العاص قد فهم عموم النهي من مثل قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم)، ففي غزوة ذات السلاسل أصابته الجنابة وكانت ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه بالتيمم ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب ؟" فقال: "يا رسول الله إني سمعت الله يقول: "ولا تقتلوا أنفسكم" فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا)، فهل كان عمرو سيقتل نفسه جزعا وتسخطا على القدر أو اعتراضا على المقدور واستعجالا للموت ؟!
قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" (25/280): (فهذا عمرو قد ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مأمور بها هي من قتل النفس المنهي عنه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك) أ.هـ
قال المانعون:
وأما قولكم: (إن لشيخ الإسلام رسالة في الانغماس في العدو ذكر فيها الأدلة على جواز ذلك)، يقال: نحن لا نناقش في المنغمس في العدو، وإنما نناقش في قياس من قتل نفسه بعملية انتحارية وبينهما فرق كبير وواضح، وبيان ذلك أن شيخ الإسلام استدل لجواز الانغماس في العدو بعدة أدلة منها قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وقوله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) وغيرها من الأدلة، ولكن هذه الأدلة تدل على ما ذكره شيخ الإسلام من جواز الانغماس بين العدو، ونحن لا نناقش في هذا، وإنما نقول: إن هؤلاء الآيات لا تنزل على من قتل نفسه، فقد قال رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى"(25/281):
(فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل نفسه أو تسببه في ذلك وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له، كما قال تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وقال: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيع نفسه) أ.هـ
فشيخ الإسلام يفرق بين تعمد قتل الإنسان نفسه وبين سلوك سبب شرعي ينتهي بقتل نفسه، فسقط استدلالكم بما يقوله شيخ الإسلام لأن قياس من قتل نفسه على المنغمس في العدو قياس مع الفارق، فالمنغمس في العدو يريد النكاية بالعدو أصلا فيحصل له الموت تبعا وقد لا يحصل له الموت، وأما قاتل نفسه فيقتل نفسه أصلا فتحصل النكاية بالعدو وغيره تبعا وقد لا تحصل النكاية، فعرف أن بينهما فرقا عظيما.
ثم إن قياس من قتل نفسه على المنغمس في العدو أيضا قياس مع الفارق لأمور:
1- الانغماس في العدو يعني الدخول في العدو، وهذا لا يكون إلا لمن كان ماهرا في الكر والفر وليس لكل أحد، ويكون بحسب قدرة الإنسان وقوته، فهو يدخل في العدو ويخرج منهم بسرعة فائقة، والسلامة متوقعة ومحتملة فيه وتكون الثمرة لمصلحة الجيش الإسلامي في قتال جماعي لا قتل فردي، وأما العمليات الانتحارية فالهلاك فيها محقق.
2- أيضا الانغماس في العدو لا يكون بالتحريق بالنار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التعذيب بالنار، فإلحاق هذا بهذا غير صحيح بل هو قياس مع الفارق.
3- ثم إن الانغماس في العدو لا يكون مشروعا في كل حالة وفي كل وضع، فإن الله جل وعلا لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم به في مكة ولا أمر به صلى الله عليه وسلم أصحابه، مع توفر الأسباب والدواعي، وتهيئ المقاتلين المتمرسين على الكر والفر، وإذا علمت الفرق بين الأمرين فيسقط قولك: (وذكر بعض المعاصرين آثارا كثيرة عن سلفنا الصالح تدل على الانغماس في العدو) فكل هذه الآثار التي أشرت إليها إنما تنزل على حالات غير الانتحار.
هذا وقد ضبط لنا شيخ الإسلام قضية متى يكون من تسبب في قتل نفسه محسنا ومتى يكون مسيئا فقال رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (25/275):
(فإنه إذا فعل ما أمره الله به فأفضى ذلك إلى قتل نفسه فهذا محسن في ذلك كالذي يحمل على الصف وحده حملا فيه منفعة للمسلمين وقد اعتقد أنه يقتل فهذا حسن...
وأما إذا فعل ما لم يؤمر به حتى أهلك نفسه فهذا ظالم متعد بذلك، مثل أن يغتسل من الجنابة في البرد الشديد بماء بارد يغلب على ظنه أنه يقتله أو يصوم في رمضان صوما يفضي إلى هلاكه فهذا لا يجوز) أ.هـ مختصرا على موضع الشاهد.
وهذا ضابط نافع إن شاء الله من شيخ الإسلام كما عودنا رحمه الله، فمن فعل شيئا جائزا فكان ذلك سبب موته لم يكن ممن قتل نفسه كأن يحج البيت ثم مات في الزحام أو سافر للهجرة أو لطلب العلم فمات في الطريق أو ركب البحر لطلب الرزق فغرق أو دافع عن عرضه وماله فقتل أو غير ذلك، فمثل هؤلاء لا يعتبرون ممن قتلوا أنفسهم لأنهم فعلوا ما يؤمرون به.
وأما من سلك سبيلا معوجا وباشر قتل نفسه بشيء لم يأمره الله به فهذا ذم الشرع طريقته ففعله حرام، فالفرق إذا هو سلوك الطريقة المشروعة في أول الأمر وسلوك ما لم يأمر الله به.
قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى"(25/281):
(فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل نفسه أو تسببه في ذلك وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له، كما قال تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وقال: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيع نفسه.
والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة لا بما يستحسنه المرء أو يجده أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة).
وأما إنكار أبي أيوب الأنصاري وغيره من الصحابة فإنما هو على من نزل الآية على المنغمس في العدو ونحن معهم في هذا ولا ننكر أن هذا تنزيل في غير محله، ونحن إنما نحتج بعموم الآية وشمول لفظها لمن أهلك نفسه وأتلفها وهذا غير الانغماس في العدو، فهو عموم لا تخصيص فيه إلا ببينة.
وأما استدلالكم بما قاله شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى"(28/540): (وقد روى مسلم في "صحيحه" عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها: "أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين")
فهذا فيه رد عليكم لأن شيخ الإسلام يجيز مثل هذا العمل استدلالا بقصة الغلام فيما لو كانت المصلحة عائدة على ظهور الدين ودخول الناس فيه وخروجهم من الكفر كما قصة غلام الساحر، والعمليات الانتحارية فائدتها عندكم تعود عليكم من جهة النكاية بالعدو، فهي لا تعود على ظهور الدين، بل هي إلى التنفير من الدين أقرب منها إلى ظهوره.
على أنه يمكن لقائل أن يقول: إن الاستدلال بقصة غلام الساحر غير صحيح لأنه شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إذا جاء شرعنا بخلافه كما في هذه الحالة، أو يقول: إن قصة الغلام تدل على أنه محدث ملهم فليس كل شخص يحق له أن يفعل ذلك.
يتبع بعون الله...
__________________
عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن أخوفَ ما أخافُ عليكم رجل قرأ القرآن ، حتى إذا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عليه، وكان ردءاً للإسلام غيره إلى ما شاء الله ، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسَّيفِ ، ورماه بالشرك))
قال: قلت : يا نبي الله أيهما أولى بالشرك: المرمي أم الرامي؟
قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بل الرامي)) رواه ابن حبان في صحيحه(1/281-282رقم81)، والبزار(7/220رقم2793) وحسنه.
|