السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المبحث الثاني الهويــة الدينيــــة :
وجدت في كلام صاحبي المشار إليه في المبحث الأول ما معناه أن العربية شيء والدين شيء, ولا شك أن هذا الكلام يحمل جانبا صحيا وآخر خطئا .
الجانب الصحيح هو أن الإسلام الإعتقادي وما يتعبد به المسلم ربه لا يقتصر على معرفة العربية بالضرورة .
والجانب الخاطئ أن حفظ هوية الإسلام يمكن أن تكون بغير العربية لغة ولا إشكال في تشييع جنازة اللغة العربية ودفنها وسيبقى القرآن والحديث والسيرة محفوظة .
قلت : لا يقول هذا عاقل فإن كان الأمر كذلك فما الذي جعل بن خلدون رحمه الله يترك لنا مؤلفاته الجمة والمفيدة وليس فيها ما كتب بالأمازيغية لماذا لم يكتب كتابه التاريخي الشهير العبر وديوان المبتدا والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر بالتيفناغ .
وإذا كان الإعتناء باللغة العربية طمسا للهوية الأمازيغية أليس من الحق أن نعتبر ابن خلدون رحمه أو طامس وماحي لمعالم الأمازيغ والأمازيغية.
فأي هوية للمسلم تعادل هوية دينه ولغة كتاب ربه ولا شك أن بن خلدون رحمه الله هو من حفظ للبربر هويتهم الإسلامية كما ذكر ذلك رحمه الله حيث قال: ((ولما كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم وكانت تعرض لنا في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح أوضاعنا اضطررنا إلى بيانه ولم نكتف برسم الحرف الذي يليه كما قلناه لأنه عندنا غير واف بالدلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجمي بما يدل على الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسط القارئ بالنطق به بين مخرجي ذانك الحرفين فتحصل تأديته وإنما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام كالصراط في قراءة خلف فإن النطق بصاده فيها معجم متوسط بين الصاد والزاي فوضعوا الصاد ورسموا في داخلها شكل الزاي ودل ذلك عندهم على التوسط بين الحرفين فكذلك رسمت أنا كل حرف يتوسط بين حرفين من حروفنا كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجئ في لغة البربر)) تاريخ ابن خلدون : 1/35.
وقال رحمه الله : ((اعلم أن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في حال الدين والعبادة فنجد المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي عن الملاذ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل الترف والخصب بل نجد أهل الدين قليلين في المدن والأمصار لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة بالإكثار من اللحمان والأدم ولباب البر ويختص وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم من أهل البوادي وكذلك نجد هؤلاء المخصبين في العيش المنغمسين في طيباته من أهل البادية ومن أهل الحواضر والأمصار إذا نزلت بهم السنون وأخذتهم المجاعات يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم مثل برابرة المغرب وأهل مدينة فاس ومصر فيما يبلغنا لا مثل العرب أهل القفر والصحراء ولا مثل أهل بلاد النخل الذين غالب عيشهم التمر ولا مثل أهل أفريقية لهذا العهد الذين غالب عيشهم الشعير والزيت وأهل الأندلس الذين غالب عيشهم الذرة والزيت فإن هؤلاء وإن أخذتهم السنون والمجاعات فلا تنال منهم ما تنال من أولئك ولا يكثر فيهم الهلاك بالجوع بل ولا يندر والسبب في ذلك والله أعلم أن المنغمسين في الخصب المتعودين للأدم والسمن خصوصا تكتسب من ذلك أمعاؤهم رطوبة فوق رطوبتها الأصلية المزاجية حتى تجاوز حدها فإذا خولف بها العادة بقلة الأقوات وفقدان الأدم واستعمال الخشن غير المألوف من الغذاء أسرع إلى اليبس والانكماش وهو ضعيف في الغاية فيسرع إليه المرض ويهلك صاحبه دفعة لأنه من المقاتل فالهالكون في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعتاد السابق لا الجوع الحادث اللاحق)) المصدر السابق :1/89.
قلت : هل علم أبناء المسلمين من العرب والعجم هذا وفقهوه وكفوا عن خراب بيوتهم من أجل لقيمات العيش الفانية .
فبالله عليك يا من تحاول إشعال نار الفتنة بين المسلمين الإخوة بذريعة مسح الهوية والحفاظ على الهوية بأي منطق تتكلم وعن أي مسح تتحدث .
أما علمت أن هوية الأمازيغ الإسلامية هي في الحفاظ على اللغة العربية كما فعل أجدادهم ومؤرخيهم , أنسيت وأنت تؤيد من ينتقص العربية و يصفها بالعجز ممجدا لغة الغرب والإنجليز أنسيت قول مؤرخ الأمازيغ فيها وعنها : ((ويظهر لك من هذا الفصل وما تقرر فيه سر آخر وهو إعطاء السبب في أن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهلية في منثور هم و منظو مهم فإنا نجد شعر حسان بن ثابت وعمر بن أبي ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيب وغيلان ذي الرمة والأحوص وبشار ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية وصدرا من الدولة العباسية في خطبهم وترسيلهم ومحاوراتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة وعنترة وابن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبدة وطرفة بن العبد ومن كلام الجاهلية في منثور هم ومحاوراتهم والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة)) تاريخ بن خلدون : 1/579.
أو تناسيت قوله رحمه الله في مقدمته : ((هذه الوظيفة غير ضرورية في الملك لاستغناء كثير من الدول عنها رأساً كما في الدول العريقة في البداوة، التي لم يأخذها تهذيب الحضارة ولا استحكام الصنائع. وإنما أكد الحاجة إليها في الدولة الإسلامية شأن اللسان العربي والبلاغة في العبارة عن المقاصد. فصار الكتاب يؤدي كنه الحاجة بأبلغ من العبارة اللسانية في الأكثر) مقدمة بن خلدون : 1/130.
أو نسيت قوله أيضا : ((الفصل السابع والأربعون
في أن لغة العرب لهذا العهد لغة مستقلة مغايرة للغة مضر ولغة حمير وذلك أنا نجدها في بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري، ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعين الفاعل من المفعول، فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد. إلا أن البيان والبلاغة في اللسان المضري أكثر وأعرق، لأن الألفاظ بأعيانها دالة على المعاني بأعيانها. ويبقى ما تقتضيه الأحوال ويسمى بساط الحال محتاجاً إلى ما يدل عليه.......... إلى أن قال : ولذلك تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات كما قدمناه، فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظاً وعبارة من جميع الألسن)) مقدمة ابن خلدون: 1/358.
أنسيت أو تناسيت قول إدريس بن عبد الله رحمه الله بعد فراغه من بناء مدينة فاس ((اللهم إنك تعلم أني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة ولا رياء ولا سمعة ولا مكابرة وإنما أردت أن تعبد بها ويتلى بها كتابك وتقام بها حدودك وشرائع دينك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ما بقيت الدنيا اللهم وفق سكانها وقطانها للخير وأعنهم عليه واكفهم مؤنة أعدائهم وأدر عليهم الأرزاق وأغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق إنك على كل شيء قدير)) الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للناصري: 1/222.
أقول : إن تاريخ الأمازيغ موجود وهويتهم لم تمسح لكن أولئك الأجداد الأفذاذ عرفوا كيف يحفظ التاريخ الإسلامي فاهتموا باللغة العربية على أنها هي تاريخهم وهويتهم لكونها هوية دينهم و يشهد لذلك عدد ا من المدن والمساجد و المدارس التي حملت أسمائهم و أضيف قليلا منها بالأسماء إجمالا من غير تفصيل .
مدينة فـاس
مدينة نفيس
مدينة آزمور
مدينة أغمات
مدينة تلمسان
جامع الأشياخ
جامع الشرفاء
جامع الأندلس
جامع القرويين
المدرسة البوعنانية
مدرسة العطارين
مدرسة الصفارين
مدرسة الصهريج
مدرسة ابن يوسف
مدرسة دار المخزن
هذا هو تاريخ الأمازيغ المعروف التي تفتخر به العرب والأمازيغ معا وحوته بطون كتب التاريخ فهل بعد هذا العز عز ا والفخر فخرا فخر بالدين واللغة العربية لغة القرآن .
أسأل الله أن يحفظ علينا وعلى الأمازيغ أمنهم وأن يوحد كلمة المسلمين على لا إله إلا الله وأن يكفيهم شر أعدائهم إنه سميع مجيب .
يتبع لاحقا بإذن الله النقطة الثانية .
|