الوجــــــــــود
حينما نذكر الوجود نذكر العدم .. وحينما نذكر العدم نكون بين أمرين: إما أن ننفيه فنكون قد أثبتنا الوجود .. وإما أن نثبته فنكون قد أثبتنا حقيقة .. وإذا أثبتنا حقيقة أثبتنا الوجود .. إذاً فالعدم المطلق محال ..
أو أن نقول: إذا أثبتنا أو نفينا .. فقد أثبتنا أنفسنا .. إذن فالوجود قائم .. والعدم المطلق محال .. وذلك هو الذى جاء به ديكارت حينما قال: [أنا أفكر .. إذن أنا موجود] إهـ .. وقد سبقه إلى ذلك إبن سينا بأجلى من ذلك وأوضح .. فإشتهر البرهان للمتأخر والفضل فيه للمتقدم ..
ومنه الوجود المطلق .. ومنه الإضافى .. وهو واقع .. فالمطلق من الوجود .. ما لا حد له من البداية والنهاية .. وهو الأزلى الأبدى .. والإضافى هو ما إقترن ببداية أو نهاية .. وكان عرضة للتغير ..
وإذا كان للحواس دور كبير فى نقل الصور الحسية لتكون طريقاً إلى إدراك الوجود فلا يفوتنا أن نذكر أن الحواس تقصر تقصيراً بيناً عن إدراك بعض ما فى الوجود .. بعد أن ثبت وجوده ثبوتاً علمياً لا مجال لإنكاره ..
فالعين ترى الألوان ولكنها تقف عند حد معين محصور فى الطيف الضوئى .. ولا ترى ما فوق الأحمر .. ولا ما تحت البنفسجى .. كما أنها لا تستطيع بذاتها تقدير البعد الثالث مما ينشأ عنه نسبية فى ضبطه لولا التجربة والحساب ..
والأُذن تسمع الأصوات ولكنها لا تسمع إلا ما وقع تواتره بين حدين معينين وهى بالنسبة لبعد الصوت وقربه عاجزة عن التقدير أيضاً .. فقد تفسر الهزة الضعيفة بأنها هزة عنيفة آتية من بُعد أو أنها فعلاً هزة ضعيفة مصدرها قريب .. أى: أن ما تنقله عن الإهتزاز الضعيف القريب بغض النظر عن الطابع أو اللحن المميز ..
والجلد ينقل الإحساس بالحرارة والبرودة .. ولكن إحساسه بها نسبى .. فاليد الحارة إذا غمستها فى ماء دافىء .. تجده بارداً واليد الباردة إذا غمستها فى الماء الدافىء نفسه تجده حاراً .. وهو هو ما إختلفت درجة حرارته .. ولكن الإحساس الذى نقلته حاسة اللمس كان متناقضاً مختلفاً ..
وهكذا نجد أن الحواس التى هى منافذ الإدراك الأولى لا تحيط علماً بجميع الموجودات وتلحقها النسبية فى بعض الإدراكات وهذا يلفت النظر إلى أن الحواس لا تكفى وحدها لمعرفة الوجود والإحاطة بكل موجود .. وبالتالى يسقط نظر من يقول: إنه لا يؤمن إلا بما تراه عينه أو يقع تحت حسه ..
ونحن إنما نلاحظ هذه الملاحظة فى شأن الحواس وما تنقله موطن الإحساس .. وما ينشأ عنه من إدراك ليستقيم نظرنا إلى الوجود منذ اللحظة الأولى .. ونضرب المقاييس ونستعملها جميعاً فى سبيل الحصول على المعرفة .. ولكى لا نقع فى شطط الإفراط ولا ظلم التفريط فإن من قصر المعرفة على الحواس حُرم المعرفة .. ومن إفتتن بنسبية ما تسوقه الحواس وأنكر نفعها وقع فى الريبية المطلقة .. ولكننا نستعمل الحواس ونصغى إلى العقل ونذكر النسبية ونضع كلاً فى موضعه ضمن حدوده ..
وعند ذكر الوجود وثبوته نذكر فريقاً من الناس يقولون حيال قضية الوجود بالريبية المطلقة .. وهى شكوك لا تقف عند حد .. أو هى (اللاأدرية) فى المادة والمعنى ..
فإن سألت أحدهم: هل هو موجود .. ؟!
قال: لا أدرى ..
هل يشعر بنفسه ؟!
قال: لا أدرى ..
أهذا الأمر خير أم شر .. ؟!
قال: لا أدرى ..
فهو فى ظلمات بعضها فوق بعض .. لا يدرى .. ولا يدرى .. أنه لا يدرى ..
وهذه الريبية المطلقة منقوضة من ذاتها .. ذلك أن الريبى المطلق إذا حكم حكماً فقد أثبت حقيقة .. وإذا أثبت حقيقة هدم الريبية المطلقة .. لأن القول بها لابد له من حكم ثابت .. وأنى لهذا الحائر المتردد من ثبات أو قرار .. فهو قد أضاع نفسه .. فإن لم يجد نفسه .. فكيف يرشد غيره .. ؟!
على أن فريقاً من الجهلة السطحيين أو الأدعياء المكابرين يصطنعون هذه الريبة إصطناعاً ويقلدون السفسطائية تقليداً لمجرد التفلت من الحقيقة والخروج على الفضيلة .. ومثل هؤلاء لا يقام لهم وزن فى هذا المجال أكثر من الإشارة إليهم .. والتنبيه إلى خطرهم حيث يؤدى القول بالريبية المطلقة إلى الفوضوية المطلقة .. فلا معرفة .. ولا فضيلة .. ولا خير ولا شر .. ولا عدل ولا ظلم .. وإنما هى شريعة الغاب .. وطبيعة الذئاب .. ونتيجة ذلك كله هدر للعقل .. وهدم لكيان الإنسانية .. ورجوع بها إلى البهيمية وظلمات القرون الأولى .. وتلك رجعية قبيحة ..
وبتبديد شبهة الريبية المطلقة وما تجر من آثار سيئة على الفرد والمجتمع .. وثبوت حقيقة الوجود .. تثبت لديك أيها القارىء أنواع الموجودات المادية: ما بين خفيف وثقيل .. وخشن وأملس .. وحار بارد .. ورطب ويابس .. ومرئى ومسموع .. ومذوق ومشموم ..
كما ثبت لديك الموجودات المعنوية: ما بين معلوم ومجهول (ومنه تنشأ المعرفة) .. ونافع وضار (ومنه تنشأ الأخلاق) ..
وهكذا تبتعد عن غائلة السفسطائية .. وتقرمع العقلاء بسلطان الموجودات .. وتأثير المحسوسات .. ولم تكذب الحس القاهر .. والإدراك الباهر .. وتنجو من بؤرة التناقض المشين ووهدة الحيرة القاتلة .. وظلمة الجهالة الحالكة ..
[