ويمكن إيراد العديد من الأمثلة الأخرى. فعلى سبيل المثال يلاحظ دايسن أنه: لو تبدلت القوانين بحيث لا تتوقف الإلكترونيات عن استبعاد بعضها بعضاً لما بقيت أي عملية من العمليات الكيماوية الأساسية التي نعرفها. وهناك العديد من المصادفات المواتية الأخرى في الفيزياء الذرية. ومن دون هذه المصادفات ما كان للماء أن يوجد على هيئة سائل، ولا لمجموعات ذرات الكربون أن تشكل جزئيات عضوية معقدة، ولا لذرات الهيدروجين أن تشكل جسوراً بين الجزئيات قابلة للكسر».
إذاً فخواص المادة، على أصغر نطاق وعلى الكون كله، تبدو ملاءمة للحياة ملاءمة فذة. ولا توجد هناك شواهد كثيرة على ذلك فحسب، بل إن حدوث أدنى زيادة أو نقصان في الكمية الثابتة يجعل من الحياة في كل حالة أمراً مستحيلاً. ويتحدث ويلر عن جملة الأكوان، ولكنه يشير إلى أن عدداً صغيراً جداً منها كان يمكن أن يصلح للحياة. وبعد أن استعرض دايسن هذا النمط العريض ينتهي إلى أن ذلك يدل على غاية مستهدفة، لا على الصدفة، قائلاً: «كلما ازددت دراسة للكون وفحصاً لتفاصيل هندسية وجدت مزيداً من الأدلة على أن الكون كان يعرف بطريقة ما أننا قادمون». فبعض الظروف الضرورية للحياة كان قد ركب تركيباً في الانفجار العظيم منذ بداية البداية.
ويؤكد ويلر أنه «لم يظهر سبب واحد يفسر لماذا يكون لبعض الثوابت والظروف الأولية ما لها من القيم سوى أنه لولا ذلك لما تيسرت المراقبة كلما نعرفها». وهو تبعاً لذلك، ولابد من أن يعزو المسألة إلى الصدفة، نراه يتساءل: أليس من الأرجح أن نقول إنه «ما من كون يمكن أن يبرز إلى حيز الوجود ما لم يكن مضموناً له أن ينتج لحياة والوعي والشهود في مكان ما ولمدة قصيرة من الزمن في تاريخه المقبل؟ «إن الحياة لم تأت اتفاقاً، بل إن ويلر، على نقيض ذلك، يؤكد أن» ميكانيكا الكم قادتنا إلى أن نأخذ بجدية ونفحص وجهة النظر المعاكسة تماماً، وهي أن المراقب لازم لخلق الكون لزوم الكون نفسه لخلق المراقب». ومع أن الإنسان ليس مادياً فى مركز الكون فهو علي ما يظهر في مركز الغاية من خلقه. وكما يقول ايرون شرود نفر فالكون من دون الإنسان يكون أشبه بمسرحية تمثل في قاعة تخلو مقاعدها من جمهور المشاهدين.
والكون الذي يستهدف ظهور الإنسان يستلزم بداهة وجود عقل يوجهه، لأن المدة لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تهدف إلى أي شيء. ومن هنا فلنظرة الجديدة تقود مرة أخرى إلى الاعتقاد بوجود عقل يوجه الكون بأكمله وجميع نواميس الطبيعة وجميع خواص المادة إلى غاية. ونحن نطلق على هذا العقل اسم الله. ويصف هايزنبيرع منهجية النظرة القديمة فيقول: إن ميكانيكا نيوتن وجميع الأجزاء الأخرى من الفيزياء الكلاسيكية التي صيغت على نسقها انطلقت من الافتراض القائل إن المرء يستطيع أن يصف العالم من غير التحدث عن الله أو عن أنفسنا»، أي عن عالم ليس وراءه عقل يدبره. ولكن النظرة الجديدة تبين أن العكس هو الصحيح في كلتا الحالتين. فالانفجار العظيم والمبدأ الإنساني كلاهما يشير إلى وجود عقلين في كلا طرفي الكون.
والنظرة الجديدة لا تقتصر على تأكيد أولية العقل في الكون، بل هي تؤكد أيضاً أن الجمال جزء من بنية العالم (أنظر الفصل الثالث). وهذه النظرة الجديدة تقودنا كذلك إلى الأدلة على وجود الله.
إن الطبيعة تزخر بالجمال. ففي عالم الجماد، مثلاً تظهر الجيودات (geodes)* والأحجار الكريمة البلورات جمالاً في التناسق واللون والإشراق لا سبيل إلى إنكاره. ومن الأمثلة اللافتة للنظر على ذلك الندف الثلجية. ويوضح الشكل 3 التنوع المدهش في أنماط الندف الثلجية وكلها تستند إلى الشكل السداسي. والندف الثلجية الاثنتا عشرة المبينة في الشكل 3 تظهر في «البلورات الثلجية" (Snow Crystals)، وهو كتاب يحتوي على ألفي شكل لندف ثلجية بذل د. أ. بنتلي في تصوريها غاية جهده وعنايته طوال مدة تقرب من خمسين عاماً. ويقدم و. ج همفريز (W.J. Humphreys) لهذا الكتاب بالنظرة التأملية التالية: إن الثلج، الثلج الجميل، الذي يصفه الشاعر النشوان بأنه غطاء الشتاء النظيف الأملس للغابة والحقل، ما برح منذ قديم الزمن يتحدى الأقلام أن تصفه، والفراش أن ترسمه وتصور آثاره العجيبة. والجمال الذي تشيعه في النفس أصغر ندفة منه أو أصغر بلورة تسبح بتؤدة بين السماء والأرض لا يقل عن ذلك سحراً. وهو يلح علينا بإصرار لأنه لا يقتصر على أن يحرك فينا الاستجابة للرقة والأناقة التي تجعل منا بشراً، بل يثير أيضاً رغبتنا وحب استطلاعنا في معرفة كيفية وسبب وجود هذه الجوهرة بالغة النقاء ذات الجمال الفائق والأشكال التي لا حصر لها».
ومصممو المنسوجات والفنانون يستوحون الأفكار من فهرس الندف الثلجية الذي وضعه بنتلي، ويستعينون بما يسميه همفريرز معرض الطبيعة الدائم للزخرفة التوشيعية وتصاميم الجواهر والحلي».
إن صغرى العواصف الثلجية تسقط على الأرض تربليونات من الندف الثلجية. وربما كانت كل ندفة منها فريدة من نوعها. وما من أحد استطاع حتى الآن أن يفهم مجمل العمليات والظواهر الفيزيائية لكيفية تشكل الندف الثلجية وإن كان جيمز لانغر (James Langer) الذي يعمل في مركز الفيزياء النظرية في سانتا بابرا، قد وضع لها، بعد سنوات طويلة من العمل المضني، نموذجاً رياضياً يبعث على التفاؤل.
فهل تستطيع آليات الطبيعة أن تفسر جمال الندف الثلجية، أو زبد البحر، أو أقواس قزح، أو غروب الشمس؟ إن جمال هذه الجوامد ينتج بالضرورة من قوانين الفيزياء والكيمياء، وهي قوانين جميلة في ذاتها كما رأينا في الفصل الثالث. وبفضل قوانين الطبيعة هذه لا يمكن أن يتولد من ذلك كون بشع. فجمال الجوامد مركب في آلية الطبيعة ذاتها. لنأخذ قياساً تمثيلياً لذلك. فقد يستطيع أحدنا أن يبني مصنع سيارات مجهزاً كلياً بمعدات ميكانيكية لإنتاج عربات جميلة. بل هو قد يستطيع أن يركب في الآلية الجمال الناتج عن التصميم واللون. ولكن الجمال في السيارة لا يصبح بذلك ضرورة مطلقة، إذ تظل العربات البشعة قادرة على أن تنقل الركاب بفعالية. ومن الممكن اختراع آلات لإنتاج عربات كهذه وبالطريقة نفسها. ليست هنالك أي ضرورة مطلقة تفرض في المقام الأول أن تشتمل القوانين الفيزيائية للطبيعة على البساطة والتنسيق. ولنا أن تتصور كوناً آخر ذا قوانين طبيعية غير متماثلة ومعقدة لغير ضرورة ينتج ندفاً ثلجية بشعة بضرورة ميكانيكية.
الضرورة، إذاً، لا تقدم تفسيراً نهائياً للجمال الذي نجده في الجوامد، كما أنها لا تستطيع أن تفسر الجمال الموجود في النباتات والحيوانات. إن عالم الأحياء أدولف بورتمان (Adolf Portmann)، وهو حجة معترف به في موضوع أشكال الكائنات الحية وعلاماتها المميزة، يشير إلى سمات كثيرة لا تفسرها الضرورة. ويشير بورتمان كذلك إلى أن الأوراق ضرورية للشجرة لإنتاج طعامها، «ولكن هناك الشيء الكثير، في شكل الورقة وخطوطها، مما ليس تكيفاً مع البيئة، بل هو تصوير ذاتي محض». إن متطلبات التخليق الضوئي (Photosy- nthesis) تفسر سبب وجود الأوراق على الشجرة في المقام الأول، ولكنها لا تفسر سبب اختلاف ورقة القيقب عن ورقة البلوط.
والشيء نفسه يصح على الحيوانات. ففيما يتعلق بريش الطيور، مثلاً، يلاحظ بورتمان أنه «ساد الاعتقاد مدة طويلة من الزمن أن الريش ليس له دور سوى تيسير عمليتي تعديل الحرارة والطيران. ولكن علينا الآن أن نضيف دوراً ثالثاً وهو التعبير عن الذات، لأن هناك أصنافاً كثيراً من الريش تغلب على تركيبها الخارجي الزخرفة».
وجسم الإنسان يبرهن على أن الضرورة لا تفسر الجمال. فصوت الإنسان أكثر براعة وتعبيراً من أي آلة موسيقية. والضرورة لا تستلزم أن يكون للإنسان صوت قادر على إخراج أنغام حلوة، إذ كان يكفي أن يكون له صوت رتيب وممل، أو صوت خشن، للاستغاثة أو للتعبير عن حاجات بدنه. وداروين نفسه أقر بأن الضرورة لا تستطيع أن تفسر ما حيي به الإنسان من مواهب موسيقية فطرية. فقد قال: «وحيث أن الاستمتاع بالأنغام الموسيقية والقدرة على إطلاقها ليسا من الملكات التي تعود على الإنسان بأدنى منفعة في عاداته اليومية الحياتية، فلا بد من تصنيفهما في عداد أكثر الملكات التي حيي بها غموضاً». والضرورة قد تفسر لماذا يكون صوت عصفور جميلاً في عين عصفور آخر، ولكنها لا تفسر لماذا يكون جميلاً في عين الإنسان. وعلى هذا الاعتبار نسأل: لماذا ينبغي أن يكون النمر أو الشوك جميلاً في عين الإنسان؟
ولكن إذا كانت الضرورة لا تفسر الجمال فلعله نتيجة الصدفة. وإذا كان الأمر كذلك لزم إن يكون الجمال نادراً. ولكن الواقع خلاف ذلك. فالطبيعة تزخر بالجمال. يقول ديفيد بوم إن «كل ما يمكن العثور عليه في الطبيعة، تقريباً، يتبدى عن شيء من الجمال سواء في الإدراك الفوري له وفي التحليل الفكري». من ذلك مثلاً أن جميع الحيوانات تقريباً تكشف عن شيء من التناسق كما يشير إلى ذلك بورتمان. بل إن بعض أجناس الحيوان تكشف عن درجة مذهلة من التناسق تضاهي بها الآثار الفنية الرائعة . والواقع أن كل مستوى من مستويات البحث يكشف عن عوالم جديدة من الجمال في الطبيعة. ويصف ثورو (Thoreau)، على سبيل المثال، جمال حقل أعشاب فيقول: «وإذ كنت واقفاً على أرض ج. ب. براون في الجهة الجنوبية راقبت مروحة الخصبة والريانة غير المقصوصة في الجهة الشمالية وهي تتموج بفعل الريح الشرقية. إنه لمشهد جميل. كانت الأعشاب تتحرك كأمواج من الضوء والظل على امتداد عرض أرضه، وكبخار منخفض الارتفاع يلتف فوقها فيضفي حياة عجيبة على المنظر الطبيعي، وكأنها ثوب متلون يتعاوره الضوء والظل. إنها صورة مثيرة يسهل أن تغفلها العين، وتوحي بأننا نخوض ونبحر في اللحظة الحاضرة في خضم من العشب وهو يلين ويتموج تموج الماء تحت الريح».
وقد صور كبار الرسامين اليابانيين الأناقة البسيطة التي يشهدها المرء في لفيف واحد من الأعشاب. وتبدو في الشكل (5) لوحة للخيرزان، وهو أكبر أنواع الأعشاب.
ويكشف المجهر عن الهندسة الخفية لتركيب الخلايا في ورقة عشب واحدة. وفي صالات العرض والمتاحف صور لأجزاء من النبات إلتقطت لجمالها الفتان بالمجاهر العادية وبمجاهر المسح الإلكتروني.
وفي داخل الخلية الحية تكشف الأشعة السينية عن تركيب جزئ الـ (DNA) وهو قالب الحياة – الذي يصفه واتسن المشترك في اكتشاف تركيبه بأنه جميل. وأخيراً، فإن المكونات الذرية لهذا الجزئ ذاته تفهم بلغة معادلات رياضية تتسم بجمال ذهني كما يقول الفيزيائيون.
وهكذا نرى أن الشاعر والرسام وعالم الأحياء والكيميائي والفيزيائي يلتقون جميعاً بجمال العشب. وجمال الطبيعة ليس جمالاً سطحياً، بل هو متغلغل في الأعماق. وفي جميع الأشياء الطبيعية، حية وغير حية، وفي كل مستوى داخل كل شيء حي، من مروج الأعشاب إلى الإلكترون والبروتون والنيوترون، نرى الجمال متغلغلاً في الطبيعة. وهذا الجمال الوفير هذه الوفرة والمتنوع هذا التنوع في شتى المستويات لا يمكن أبداً أن ينشأ من الصدفة. وينتهي الفيزيائي هنري مارجينوا إلى أن جمال الطبيعة لا يمكن عزوه إلى الصدفة أو الضرورة فيقول: إننا لا نعتقد أن الجمال منحصر في عين الناظر، بل إن هناك سمات موضوعية تكمن على الأقل وراء بعض التجارب الجمالية، إن لم نقل وراءها جميعاً، مثل معدلات تردد أنغام الوتر الكبير، أو تناسق الأشكال الهندسية، أو الجاذبية الجمالية للألوان المتنامية المتجاورة. صحيح أنه ليس في أي من هذه الأشياء ما يساعد على البقاء، ولكنها جميعاً منتشرة في الطبيعة انتشاراً يصعب جداً أن يكون مجرد صدفة. ونحن نذهل لتغريد العصافير، ونسق الألوان في الأزهار (هل للحشرات حس جمالي؟)، ولتناسق ألوان ريش الطيور، وللجمال الذي لا يضاهى في ورقة القيقب الذاوية، ولونها عميق الحمرة، وعروقها الزرقاء، وأطرافها الذهبية. فهل في هذه ما يساعد على البقاء حين تكون الورقة مشرفة على السقوط؟».
فإذا كانت الصدفة والضرورة، كلتاهما عاجزتين عن تفسير الجمال فلابد من وجود شيء غير هذين البديلين. فحيثما تصرفت العلة بفعل ضرورة فلابد من وجود داع لهذا التصرف، ولكنه تصرف أغلقت دونه جميع المسالك باستثناء مسلك واحد. أما الصدفة فهي من الناحية الأخرى تقبل البدائل، ولكن ليس هناك سبب يفسر تحقيق بديل دون غيره. والطريق الوسط بين هذين الطرفين علة تقبل البدائل، ولكن لديها في الوقت ذاته سبباً يفسر اختيارها لواحد منها دون سواه. فهل من شيء في تجاربنا يعمل بهذه الطريقة؟ واضح أن هناك شيئاً كهذا: إنه عقل كل منها.
تأمل، للحظة قصيرة، حرفياً يصنع سكيناً لتقطيع الخبز لاستخدامه الشخصي. من الجلي بالضرورة أنه ستكون للسكين الجديدة شفرة، إذ أنه من دونها لن يستطيع قطع الخبز. أما تصميم المقبض المزخرف والمرصع فلا نستطيع عزوه إلى الضرورة لأن السكين قادر على أن يقطع الخبز بنجاح دون حاجة إلى أي زخرفة على الإطلاق. والحرفي يختار بمحض إرادته أن يزين أداته بالزخارف. ففي وسعه أن يضيف الزخارف أو لا يضيفها. فإذا اختار أضافتها توفرت له تشكيلة غير محدودة من التصاميم ينتقي منها ما يشاء. فزخرفة السكين تقبل البدائل؛ ومع ذلك فهناك سبب لوجودها وهو أن الفنان لا يريد سكيناً نافعاً فحسب، بل سكيناً جميلاً أيضاً. فالزخرفة إذاً ليست نتاج الصدفة ولا الضرورة، بل هي تصرف يتسم بحرية الاختيار. والعقل الذي يختار بحرية، إذاً، هو الطريق الوسط بين الصدفة والضرورة.
وعلى النحو ذاته، لما كان الجمال في الطبيعة بالغ الوفرة فلا يمكن أن يكون ناشئاً من الصدفة، إذ لا بد له من سبب. ولكن هذا السبب لا يمكن حصره في نهج واحد، إذ ليس من ضرورة مطلقة تفرض أصلا وجود الجمال في الحيوان والنبات والجماد. وعلى ذلك يبدو أن الجمال المشاهد في الطبيعة ناشئ من علة لا تحكمها الضرورة، ولكن لديها مع ذلك سبباً يفسر تصرفها. وهذه العلة هي عقل، ومن ثم فإن هناك عقلاً مسؤولاً عن جمال الطبيعة وهذا العقل القائم وراء الطبيعة يطلق عليه كل الناس اسم «الله».
رأينا في الفصل الثالث كيف أن النظرة الجديدة تجمع مجدداً بين العلوم والفنون الجميلة من خلال فهم الجمال. كما أن الشعراء، في تأملهم جمال الطبيعة، يدركون بدورهم أنه من صنع عقل ما. ومن أمثلة ذلك أن «ثورو»، إذ يرى أن الجمال لا يمكن أن تفسره الضرورة، يستبين الفنان الآلهي وراء الطبيعة، فيقول: «السماء تمطرنا وتسقط علينا ثلوجاً كالدرر. يا له من عالم عجيب هذا الذي نعيش فيه! أين متاجر الجواهر والحلي من ذلك؟ ليس هناك ما هو أجمل من ندفة ثلج أو قطرة ندى. أكاد أقول إن صانع هذا العالم تتجلى براعته في كل ندفة ثلج أو قطرة ندى يسقطها علينا. ونحن نظن أن الأولى تتماسك بطريقة ميكانيكية وأن الأخرى تسيل فتتهاوى بكل بساطة، ولكنهما في الحقيقة حصيلة حماس، ونتاج نشوة، أضيفت عليهما اللمسات الأخيرة بأقصى مهارة الفنان».
والبشر يلحظون يد الله في ندفة الثلج وفي غروب الشمس وفي حقل الأعشاب. وعظمة الجمال وجلاله يحملان توقيع الله الذي لا شبهة فيه. يقول توماس مان (Thomas Mann) الجمال وحده إلهي ومرئي في آن معاً». أما إمرسون (Emerson) فيقدم لنا النصيحة التالي: إياك أن تفوت أي فرصة لمشاهدة أي شيء جميل لأن الجمال خط بيد الله. إنه قداس يقام على جانب الطريق. رحب بالجمال في كل وجه حسن، وفي كل سماء صافية، وفي كل زهرة جميلة، واشكر الله على ذلك.».
وهكذا ففي النظرة الجديدة نجد أن أصل الكون وبنيته وجماله تفضي جميعاً إلى النتيجة نفسها، وهي أن الله موجود.