ويظهر للباحث أوجه شبه واختلاف بين كلمة (
النبيين ) و كلمة (
الأنبياء ) فيمكن أن نضعهما فى تصانيف ومقارنات على الوجه التالى :
1-
جمع القلة وجمع الكثرة.
2-
عموم وخصوص.
3-
نوع الجمع.
4-
مشاهدة وغيبة.
أولاً: جمع القلة والكثرة : فالنبيون جمع كثرة بينما الأنبياء جمع قلة. كشهور وأشهر فجاءت (
شهور ) جمع كثرة كما فى قوله تعالى :
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً 
وقال فى الحج :
الحج أشهر معلومات 
وهى تحديداً شهران ونصف.
والقول بأن (
النبيين ) جمع كثرة ، و (
الأنبياء ) جمع قلة له شواهد من القرآن الكريم ، قال تعالى :
إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده 
[ النساء : 163] فوصف كل منجاء بعد نوح بأنهم نبيون لكثرتهم. بينما عند الحديث عن بنى إسرائيل قال :
اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء 
[ المائدة : 20] .
والقلة والكثرة هنا نسبية وليست مطلقة ، ولا مقيدة بعدد معين ، ولكن نسبية فالأنبياء للأقل ، والنبيين للأكثر.
ولا أميل إلى هذا التقسيم بين (
الأنبياء ) وبين (
النبين ) ذلك أن الله سبحانه قد أطلق الكلمتين على فئة بعينها فقال :
ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق 
[ البقرة : 61 ] وقال :
كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق 
[ آل عمران : 112 ] ولو كان هذا التصنيف بناءً على جمع القلة والكثرة صحيحاً لما أطلق اللفظين على أشخاص بعينهم ، ولَما وصفهم بأنهم (
نبيين ) رغم قلتهم ووصفهم فى مكان آخر بأنهم (
أنبياء ).
ثانياً: وعن العموم والخصوص : تطلق النبيين للعموم والأنبياء للخصوص. وهذا أصوب من التصنيف السابق وأقرب للحق ذلك أن الله أطلق كلمة (
النبيين ) حين أراد العموم وإن ذكر طائفة معينة منهم فهى من باب إطلاق العام وإرادة الخاص ، بينما لم يطلق كلمة (
الأنبياء ) فى أى موضع من مواضع العموم.
ويؤكد هذا أنه استعمل كلمة (
الحق ) مع (
النبيين ) فى قوله تعالى :
ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق 
[ البقرة : 61 ] بينما أتى بكلمة (
حق ) مع (
الأنبياء ) فى قوله تعالى :
كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق 
[ آل عمران : 112 ] . وتوجيه ذلك أن الألف واللام إذا دخلت على الاسم أو الصفة فإنها تفيد الاستغراق وشمول جميع أفراد الجنس ، بينما التنكير (
حق ) يفيد أقل شئ منه. فجاء بالعام (
الحق ) مع العام (
النبيين ) ،بينما جاء بالخاص (
حق ) مع الخاص (
الأنبياء ).
ولكن لا يزال هذا التصنيف غير حاصر ولا قاسم. حيث أن الله سبحانه قال
ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق 
[ البقرة : 61 ] فذكر كلمة (
النبيين ) التى تفيد العموم رغم أنهم فئة خاصة.
ثالثاً: نوع الجمع : فقد جاءت كلمة (
النبيين ) على صيغة جمع المذكر السالم ، أى على أصل القاعدة ، بينما جاءت (
الأنبياء ) جمع تكسير أى ليست على أصل القاعدة لتبين أن لهؤلاء حالة خاصة مستناة من القاعدة. وهذه إشارة حسنة. تتفق وما سيأتى بعد.
رابعاً: تصنيف المشاهدة والغيبة: وهذا ما أميل إليه فى التفرقة بين (
النبيين ) وبين (
الأنبياء ) فباستعراض الآيات القرآنية الواردة فى كليهما (
النبيون = 13 ،
النبيين = 3 ) نجدها دائماً تشير إلى فئة غير مشاهدة وغير حاضرة أى غائبة ، بينما كلمة (
الأنبياء = 5 ) فكانت دائماً تتحدث عن فئة مشاهدة ومعروفة وقريبة للمخاطبين ألا وهم اليهود الذين كانوا يقتلون الأنبياء ، بينما ذكر الله كلمة (
النبيين ) للإشارة لنفس الطائفة من هؤلاء الأنبياء الذين قتلهم بنوا إسرائيل فى قول الله تعالى :
ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق 
[ البقرة : 61 ] ولم يقل (
الأنبياء ) ذلك أن الخطاب فى هذه الحالة كان للغائب ، وهذا يتفق تماماً مع كون هؤلاء النبيين يخبرون بأمور غيبية غير مشاهدة فجاءت كلمة (
النبيين ) التى تُجمع على القاعدة فى سياق الحديث عنهم لمخاطَب لم يلقهم ولم يقابلهم ، بينما جاءت الكلمة الأخر (
الأنبياء ) التى هى بخلاف القاعدة عند الحديث عنهم أمام طائفة تعرفهم وقريبة منهم وربما قابلوا أحدهم.
ويزيد هذا تأكيداً أن الله سبحانه وتعالى أتى بكلمة (
النبيين ) عند الحديث عن الأمور الغيبية التى هى أركان الإيمان فقال :
ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين 
[ البقرة : 177 ]
فتأمل بدائع اللغة ، وتأمل بلاغة القرآن وفصاحته لتعلم وتوقن أن هذا الكلام لا يقوله بشر. وإنما هو من عند العليم الحكيم ، ولتشاهد بعينيك أحد وجوه الإعجاز البلاغى فى القرآن الكريم.
والحمد لله رب العالمين
يتبع إن شاء الله >>>>>>