أسأل الله أن ييسر لأخينا عودته، لذلك سأبدأ بالكلام فإن كان له ملاحظات أو أسئلة فالإخوة هنا سيساعدونه بإذن الله.
أولاً يجب التفريق بين المذاهب الفقهية والمذاهب العقدية، ولنبدأ أولاً بالتعرف على المذاهب العقدية، والتي يطلق عليها أيضاً اسم الفرق، وقد نشأت هذه الفرق بظروف متعددة، فمنها ما نشأ للطعن في الإسلام وأهله (كالرافضة)، ومنها ما نشأ عن سوء فهم النصوص (كالخوارج)، ومنها ما نشأ عن التأثر بالآخرين وخاصة أهل الكلام (كالأشاعرة)، وبوجود الاختلافات والانشقاقات عن الأصل، صار الأصل مذهباً عقدياً أيضاً، وطالما أن الأصل هو الإسلام الصحيح المأخوذ من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بفهم القرون التي أثنى عليها رسول الله

، فإن كل متبع للإسلام الصحيح هو متبع أيضاً لذلك المذهب العقدي، سواء شعر بذلك أو لم يشعر.
أما المذاهب الفقهية فهي مذاهب نشأت على أيدي فقهاء أعلام من هذه الأمة، إذ كانوا يدرسون الآيات والأحاديث في المسألة، ثم يفتون للناس بناءاً على ما توصلوا إليه في المسألة، وقد نشأ الاختلاف بينها لسببين، أحدهما اختلاف معنى الكلمة في اللغة العربية ليعطي أكثر من معنى، فمثلاً كلمة "قرء" تعني في اللغة العربية الحيضة أو الطهر، فمن الفقهاء من أخذ معناها بأنه الحيضة، ومنهم من أخذ معناها بأنه الطهر، أما السبب الآخر لاختلاف المذاهب الفقهية فهو اختلاف الأدلة التي وصلت للفقيه وبنى عليها حكمه، فقد يصل لأحدهم حديثاً ما يبني عليه حكمه، وقد لا يصل لغيره ذلك الحديث، فيكون حكمه مغايراً، وحتى نجيب على السؤال في وجوب اتباع مذهب أو عدمه، لا بد أن نميز بين حالات الناس أولاً، فمن الناس العامي جداً، وهذا يتبع مذهب مفتيه، فإن سأل شيخه عن أمر وأفتاه بمذهب الإمام أبو حنيفة مثلاً فعليه أن يتبعه، وإن سأل شيخه (نفس الشيخ) في مسألة أخرى وأفتاه بمذهب الإمام أحمد فعليه أن يتبعه، فإذا تطور ذلك الرجل في العلم، ودرس مذهباً ما دون غيره، صار الأولى والأسلم له أن يتبعه دون سواه، فقد علم أصل المسألة بدراسته لذلك المذهب، ولم يعلم غيره ليتبعه، فإن تطور أكثر وأكثر وصار قادراً على دراسة الأدلة التي بنى عليها فقهاء ذلك الزمان أحكامهم، وصار قادراً على التمييز بينها، فعليه أن يتبع المرجح عنده، ويفتي أيضاً بما رجحه من القول، فالشيخ في المثال السابق أفتى بمذهب أبي حنيفة في مسألة وأفتى بمذهب أحمد في مسألة أخرى، وهذا ناتج عن ترجيحه لقول أبي حنيفة في المسألة الأولى، وترجيحه لقول أحمد في المسألة الأخرى، وعليه لا يلزم أحد من الناس اتباع مذهب دون آخر.
هنا لا بد من ذكر حالتين هامتين:
1- حينما يفتي المفتي، فإنه يفتي بالراجح عنده من الأقوال، وليس بهوى المستفتي، فلو كان للمسألة جوابين، وأحدهما أرجح عند المفتي من الأخرى، وكان المستفتي أميل للجواب الآخر، فلا يصح للمفتي أن يفتي إلا بما رجح عنده.
2- لا يصح عند الحديث عن الأحكام أن يمزج نصف الحكم من مذهب ونصفه الآخر من مذهب آخر، فمثلاً اشترط الأئمة في صحة الزواج وجود شاهدي عدل ولم يشترطوا الإشهار، وقد خالفهم في ذلك الإمام مالك، فلم يشترط الشاهدين لكنه اشترط الإشهار، وعليه فلا يحق لأحد أن يأخذ بقول الجمهور في عدم اشتراط الإشهار، وفي نفس الوقت يأخذ بقول الإمام مالك في عدم اشتراط الشاهدين.