
التحذير من التكفير
إذا تبين ما سبق فينبغي أن يعلم أن التكفير حكم شرعي لا يجوز الإقدام عليه بلا بينة وبرهان ونسوق هنا طائفة من الأحاديث النبوية والآثار السلفية في التحذير من ذلك:
1-فعن ثابت بن الضحاك – وكان من أصحاب الشجرة – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذِّب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" أخرجه البخاري.
***********
2-وأخبر عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أيُّما رجل قال لأخيه : يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه"متفق عليه
، وفي رواية لمسلم:"إذا كفَّر الرجل أخاه...".
**********
3-وعن أبي ذر – رضي الله عنه – أنه سمع النبي صلى الله عليه
وسلم يقول :"لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك"رواه البخاري
**********
وعلى ما أرشد إليه الشرع المطهر مضى العلماء من السلف والخلف يحذرون من العجلة في التكفير ويُرهبون، حمايةً لأعراض المسلمين أن تنتهك، وصيانةً لدمائهم أن تُسْفك.
***************
قال العلاء بن زياد التابعي الجليل :
"ما يضرك شهدتَ على مسلم بكفر أو قتلته"
حلية الأولياء : (2/246)، وسير أعلام النبلاء : (4/198).
************
وقال أبو حامد الغزالي :
"والذي ينبغي الاحتراز منه :"التكفير" ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأٌ، والخطأ في ترك ألفِ كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دمٍ لمسلم"
الاقتصاد في الاعتقاد : (269).
**************
وقال ابن أبي العز الحنفي :
"إنه لمن أعظم البغي أن يُشهد على معيَّنٍ أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلِّده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت"
( شرح الطحاوية : (2/432).
************
وقال ابن عبد البر:
"القرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه، ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كلَّ من ثبت له عقدُ الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبا، أو تأول تأويلا، فاختلفوا بعدُ في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة – وهم أهل الفقه والأثر – على أن أحدا لا يخرجه ذنبه – وإن عظم – من الإسلام، ويخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يُكَفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة"
( التمهيد : (17/22).اهـ.
**************
وقال القرطبي :
"وباب التكفير باب خطير، أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئا"
المفهم : (3111)، وعنه فتح الباري : (12/314).
*************
"وفي الفتاوى الصغرى :
الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنه لا يكفر.
************
وفي الخلاصة وغيرها :
إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر، ووجه واحد يمنعه فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم، إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل".
*******
وقال ابن نجيم الحنفي:
(والذي تحرر أن لا يفتي بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير فيها، وقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها"
البحر الرائق - (5 / 135)
*********
وقال ابن حجر الهيتمي:
"ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره، وغلبة عدم قصده، سيما من العوام، ومازال أئمتنا (يعني الشافعية) على ذلك قديما وحديثا"
( تحفة المحتاج : (4/84).
**************
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :
"وليس لأحد أن يكفِّرَ أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتُبيَّن له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة).
(مجموع فتاوى شيخ الإسلام " (12/468). ).اهـ.
***************
وقال الشوكاني :
"اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه عن دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدِم عليه إلا ببرهان أوضح من الشمس، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة – رضي الله عنهم – أن "من قال لأخيه : يا كافر، فقد باء بها أحدهما"...ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر، وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير"
( السيل الجرار (4/578).
***************
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب :
"وبالجملة فيجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذا المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله من أعظم أمور الدين، وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة"
( الدرر السنية : (8/217).
*************
وقد اشتد نكير ابن الوزير على ما يساغ في تكفير المبتدعة من المسلمين، وذكر ثلاثة عشر وجها للتوقف في تكفير من فحشت بدعته منهم، لا يسع المقام لذكرها فلتراجع في
إيثار الحق على الخلق : (420 – 451).
************
وذكر العلامة محمد شقرون الوهراني عن إمام الحرمين أبي المعالي أنه اعتذر عن مسألة من مسائل التكفير، قال : لأن الغلط فيها يصعب، لأن إدخال الكافر في الملة، وإخراج المسلم منها عظيم في الدنيا،
ثم قال : هذا أبو المعالي إمام الحرمين خاف من الغلط في إخراج مسلم من الدين واستعظمه، واعتذر به لمن سأله..فكيف يصح بعد تقرير هذا كله لمن لم يبلغ معشار عشر الأئمة المتقدمين المذكورين أن يتجاسر على المسارعة إلى التصريح بالتكفير في حق عباد الله المسلمين"
( الجيش والكمين لمن كفر عامة المسلمين : (33-35).
*******
والنقول كثيرة في ذلك
لكني أختم بمقولة ابن ناصر الدين الدمشقي- رحمه الله-
(فهل بعد هذا الوعيد من مزيد في التهديد، ولعل الشيطان يزين لمن اتبع هواه، ورمى بالكفر والخروج من الإسلام أخاه، أنه تكلم فيه بحق ورماه، وأنه من باب التجريح والتعديل، لا يسعه السكوت عن القليل من ذلك، فكيف بالجليل؟ هيهات هيهات، إن في مجال الكلام في الرجال العقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقبها هوى لا منجي له من الإثم ولا وزر، فلو حاسب نفسه الرامي أخاه : ما السبب الذي هاج ذلك؟ لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك"
( الرد الوافر : (35-36)