عرض مشاركة واحدة
  #208  
قديم 2012-03-19, 05:41 PM
غريب مسلم غريب مسلم غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2010-06-08
المشاركات: 4,040
افتراضي

دندن ضيفنا على موضوع الجسمية، وليته كان يعرف معنى الجسم قبل أن يتحدث ويدندن، لكنه -كما هو واضح من مشاركاته واستنكاراته- أنه كان يعني التشبيه، وقبل أن أرد على هذه لا بد أن نبين معنى الجسم وموقف أهل السنة من هذا المصطلح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ((ولفظ الجسم فيه إجمال ، قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت أو ما يقبل التفريق والانفصال ، أو المركب من مادة وصورة ، أو المركب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر الفردة ، والله تعالى منزه عن ذلك كله ، أو كان متفرقا فاجتمع ، أو أن يقبل التفريق والتجزئة التي هي مفارقة بعض الشيء بعضاً وانفصاله عنه أو غير ذلك من التركيب الممتنع عليه .
وقد يراد بالجسم ما يشار إليه ، أو ما يُرى ، أو ما تقوم به الصفات ، والله تعالى يُرى في الآخرة ، وتقوم به الصفات ، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم ، فإن أراد بقوله : ليس بجسم هذا المعنى ، قيل له : هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول ، وأنت لم تُقم دليلا على نفيه ، وأما اللفظ فبدعة نفيا وإثباتا ، فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله تعالى لا نفياًَ ولا إثباتاً ، وكذلك لفظ الجوهر والمتحيز ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع أهل الكلام المحدَث فيها نفيا وإثباتا)) ا.هـ
وعليه فأهل السنة لا يقولون جسم ولا يقولون ليس بجسم، لكنهم ينظرون إلى المعنى، فإن أريد به ما يشار إليه أو ما يرى أو ما تقوم به الصفات أثبتوا المعنى (وليس اللفظ).
أما فيما يتعلق باعتراض ضيفنا على حديث الرؤية وأنه يقتضي إقرار التشبيه، كما ذكر في المشاركة 107 مثلاً فأقول:
للرد على ذلك سأستعير كلام شيخنا العلامة الإمام ابن عثيمين رحمه الله، فقد قال رحمه الله (والكلام من ذاكرتي) في شرح العقيدة السفارينية، لو قال رجل أن عنده يد فيل، وقال رجل آخر أن عنده يد ذرة، فهل من عاقل يقول أن ما عند الأول يماثل أو يشابه ما عند الثاني؟!! قلت (أنا غريب مسلم) المشبهة بكل أصنافهم (سواء من توقف عند التشبيه، أو زاد إلى التعطيل كالإباضية) كلهم يتخيلون حينما يسمعون أو يقرؤون كلمة يد يتخيلون يد البشر، إذ أنهم لم يفهوا أن لله يد لكنها ليست كأي يد، هي يد حقيقية لكنا لا نعرف كيفيتها، وهذا قولنا نحن أهل السنة والجماعة الطائفة الناجية المنصورة بإذن الله، نقول لله يد لأن الله ورسوله قالا ذلك، دون أن نتخيل ودون أن نحاول المضي في ذلك.

الأمر الآخر الذي جاء به ضيفنا هو قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77]، فهل هذا يعني النظر بالعين؟ أم النظر بعين الرحمة؟
الجواب في الآية نفسها، فقوله تعالى أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، هو دليل العقاب، فما جاء بعدها فهم على أساس هذه الجملة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد بين هذا المعنى أحاديث رسول الله ، والتي ذكرت في كتب التفسير ولا مجال لبسطها الآن.
نعود لقول قواميس اللغة العربية في معنى "نظر إلى"، إذ قال ضيفنا أنها خطأ، واستدل بالآية، فما المانع من أن أقول أنها خطأ أيضاً في شرحها لإدراك البصر والدليل الآية فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]؟ بل إن احتمال الخطأ في إدراك البصر أكبر، ففي الشرح لمعنى إدراك البصر لم يتطرق أحد للآية حتى يقول أن إدراك البصر شيء زائد عن الرؤية، فالآية تتحدث عن إدراك عين المخلوق للخالق، وهذا المعنى لا يتطرق له إلا عند طلبه.
والصواب أن قواميس اللغة لم تخطئ لا في هذه ولا في تلك، فحينما شرحت معنى إدراك البصر بدأ الشرح بذكر معنى الإدراك وأنه لحاق الشيء بالشيء، وعليه استنتجت المعاني المشتقة منه.
لكن إن عدنا إلى لسان العرب مثلاً لوجدنا في معنى "بصر" ((وفي التنزيل العزيز : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ; قال أبو إسحاق : أعلم الله أنه يدرك الأبصار وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون الأبصار ، أي لا يعرفون كيف حقيقة البصر وما الشيء الذي به صار الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه ، فأعلم أن خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه ، فكيف به تعالى والأبصار لا تحيط به وهو اللطيف الخبير . فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية ، وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغير مدفوع وليس في هذه الآية دليل على دفعها ; لأن معنى هذه الآية إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته ، وهذا مذهب أهل السنة والعلم بالحديث . وقوله تعالى : قد جاءكم بصائر من ربكم ; أي قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر ، فمن أبصر فلنفسه نفع ذلك ، ومن عمي فعليها ضرر ذلك ; لأن الله - عز وجل - غني عن خلقه .)) ا.هـ
فهذا أحد أعلام اللغة بين أن أبصار الناس لا تدرك الله عز وجل أي لا تحيط بحقيقته، وهذا مقالي منذ البداية.
بل وإن المعنى الذي استدل به ضيفنا في نفي الرؤية في معنى "نظر إلى" معنى لا يمكن تطبيقه على الآيات التي استدليت بها، فإن كان نظر إلى الشيء بمعنى عطف على الشيء، فهل يستقيم هذا المعنى مع الوجوه الناضرة الناظرة إلى ربها؟!!

ملاحظة صغيرة:
قد أكون أخطأت فيما مضى ونسبت لسان العرب للفيروز أبادي (لا أدري إن كنت قلت ذلك أم لا)، والصواب أن لسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروز أبادي، فإن كنت أخطأت في هذا، فأرجو منكم المعذرة.

وبهذا أنهي ما بقي معلقاً، والحمد لله رب العالمين.
__________________
قال أبو قلابة: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال. رواه ابن سعد في الطبقات.
رد مع اقتباس