إليك هذا الجواب أخي من أهل العلم الموثوق بهم
المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :
فقد ذكرت في مقال : "تحذير الموالي للمجلس الانتقالي" حقيقة هذا المجلس وبينت أن منهجه يقوم على تكريس النظام الديمقراطي وأنه يصرح بذالك ولا يخفيه .
وأما بالنسبة للشباب الملتزمين الذين يقومون بحماية هذا المجلس فنقول لهم :
إن العلمانيين والديمقراطيين هم ألد أعداء الدين لأن الديمقراطية والعلمانية لا يمكن أن تجتمعا مع الإسلام .
قد يتظاهر هؤلاء أحيانا بالدين , وقد يرفعون بعض الشعارات الإسلامية ذرا للرماد في العيون , لكنهم من الناحية العملية لا يقبلون بديلا عن الديمقراطية والعلمانية .
من المنطقي أن يقوم بحراسة هؤلاء القوم وحمايتهم إخوتهم في العقيدة والمنهج ..
لكن الغريب أن يكون هناك من ينسبون أنفسهم إلى الدعوة و التوحيد والالتزام وخدمة الإسلام ومع ذالك يقومون بحماية أعداء الشريعة !
سمعنا أن الله تعالى ينصر الدين بالفاجر لكن لم نسمع أنه ينصر الفجور بالمتدين ..!
كان الأولى والأجدر بهؤلاء الذين قاموا بحماية هذا المجلس –إن كانوا بالفعل يسعون إلى تطبيق شرع الله- أن يصرفوا جهودهم وطاقاتهم إلى محاصرة هذا المجلس وسحب البساط من تحت قدميه ونزع الشرعية عنه لأن بقاءه وتمكنه في الحكم يعني بداهة غياب الشريعة .
لقد نهى الله تعالى عن الركون إلى مثل هؤلاء فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أحب الخلق إليه : {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء : 74 ، 75].
وقال تعالى محذرا المؤمنين : {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } [هود : 113].
قال القرطبي :
( قوله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا} الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه لا توادوهم ولا تطيعوهم. ابن جريج: لا تميلوا إليهم. أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وكله متقارب. وقال ابن زيد: الركون هنا الإدهان وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم.) تفسير القرطبي - (9 / 108).
وقال عكرمة : أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم .
لقد أرشدنا الله تعالى إلى أمر جامع للخير فقال : {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية
(فإن المعين على البر والتقوى من أهل ذلك، والمعين على الإثم والعدوان من أهل ذلك، قال تعالى : { مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا } [ النساء : 85 ] ، والشافع الذي يعين غيره، فيصير معه شفعا بعد أن كان وترًا؛ولهذا فسرت الشفاعة الحسنة بإعانة المؤمنين على الجهاد، والشفاعة السيئة بإعانة الكفار على قتال المؤمنين كما ذكر ذلك ابن جرير،) الإيمان الكبير لابن تيمية - (2 / 76).
فصلاح الأمة إنما يكون من خلال التعاون على البر والكف عن التعاون على الإثم والعدوان.
وحين يحدث العكس فيغيب التعاون على البر ويحدث التعاون على الإثم فذالك مؤذن بحدوث الخراب ووقوع البلاء .
والتعاون على البر اليوم إنما يكون بنصرة وتكثير سواد المجاهدين الذين يدعون إلى تطبيق الشريعة ونبذ كل ما سواها .
والتعاون على الإثم يكون بنصرة هذه المجلس العلماني المدعوم من طرف الصليبيين والذي يسعى إلى تكريس النظام الديمقراطي الشركي في هذا المجتمع المسلم الذي من الله عليه بأنه لم يعرفه من قبل .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وقد قال غير واحد من السلف : أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم قلمًا . ومنهم من كان يقول : بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم ، وأعوانهم هم أزواجهم المذكورون في الآية ) كتاب الإيمان لابن تيمية (ص 61) .
وهو يقصد قوله تعالى : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ... }
وقال أبو طالب المكي :
(قال الثوري رحمه اللّه : يقال يوم القيامة ليقم ولاة السوء وأعوانهم ، قال : فمن لاق لهم دواة أو بَرى لهم قلماً أو حمل لهم لبداً أو أعانهم على أمر فهو معهم ، وجاء رجل إلى ابن المبارك فقال : إني خياط وربما خطت شيئاً لبعض وكلاء السلطان فماذا ترى أكون من أعوان الظلمة ؟ قال : لست من أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الإبر والخيوط ، وكان بعض العلماء قد جلس في ديوان بعض الأمراء فكتب الأمير كتاباً فقال : ناولني الطين أختم به الكتاب ، فامتنع فقال : ناولني الكتاب الذي كتبته حتى أنظر فيه ، فلم يناوله ، وفعل مثل ذلك سفيان الثوري مع المهدي فكان بيد المهدي درج أبيض وقد أدخل عليه الثوري فقال له : يا أبا عبد اللّه أعطني الدواة حتى أكتب ، فقال : أخبرني بأيّ شيء تكتب ، فإن كان حقّاً أعطيتك وإلاّ كنت عوناً على الظلم ، وكان بمكة أمير قد أمر رجلاً أن يقوم له على الصناع في عمارة ثغر من الثغور قال : فوقع في نفسي من ذلك شيء ، فسألت سفيان عن ذلك فقال : لا تفعلنّ ولا تكنّ عوناً لهم على قليل ولا كثير ، فقلت : يا أبا عبد اللّه سور في سبيل اللّه تعالى للمسلمين فقال : نعم ولكن أقل ما يدخل عليك أن تحبّ بقاءهم ليوفونك أجرتك ، فتكون قد أحببت من بغض اللّه عزّ وجلّ ، وقد جاء في الخبر : من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبَّ أنْ يعصي اللّه عزّ وجلّ . وفي الحديث : أنّ اللّه ليغضب إذا مدح الفاسق ، وفي خبر آخر : من أكرم فاسقاً فكأنما أعان على هدم الإسلام ،) قوت القلوب - (2 / 434).
إن حماية من يسعون إلى تطبيق الديمقراطية هو في النهاية حماية للديمقراطية نفسها ..
ومن سلكوا هذا السبيل فليعلموا أنهم خرجوا عن كونهم دعاة لتطبيق شرع الله إلى كونهم دعاة إلى تطبيق الديمقراطية الشركية.
إن الأمر لا يتسع للمناورة ولا مجال فيه لأنصاف الحلول ..
فإما أن يكون المرء مع المؤمنين الموحدين , وإما ان يكون مع الفاجرين المفسدين ..
إما أن يكون من أهل الحق , وإما أن يكون من أهل الضلال ..{فماذا بعد الحق إلا الضلا }.
قال تعالى :{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة : 4]
وقال تعالى : {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [التوبة : 114].
لقد بدأ المسلمون اليوم في التمايز والانقسام إلى فسطاطين : فسطاط إيمان لا نفاق فيه , وفسطاط نفاق لا إيمان فيه ..
ومن أراد الانحياز إلى أهل الإيمان فعليه البراءة من أهل النفاق ..
وكيف يكون المرء من أهل الإيمان وهو يوالي ويناصر من يعلم أنهم يسعون جاهدين لمحاربة شرع الله ؟
إن ادعاء درء المفسدة لا يبيح نصرة أعداء الشريعة أو حمايتهم , فلا مفسدة أعظم من بقائهم متحكمين في البلاد .
وقد قال تعالى : {والفتنة أشد من القتل} أي أن الفتنة في الدين أعظم من القتل , وبقاء هؤلاء القوم من أسباب الفتنة في الدين.
قال شيخ الإسلام :
"والله تعالى يقول{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}[الأنفال : 39]
فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد " (مجموع الفتاوى - (28 / 167)
و قال:
"وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة" (مجموع الفتاوى - (28 / 167)
فالهروب من الواجبات الشرعية بقصد تجنب الفتنة هو في حد ذاته فتنة, وقد دل على ذالك قوله تعالى :{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة : 49]
روى البيهقي في سبب نزول هذه الآية :
عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جد بن قيس وهو جالس فى المسجد معه نفر فقال : يا رسول الله ائذن لى فى القعود فإنى ذو ضيعة وعلة لى بها عذر فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :« تجهز فإنك موسر لعلك تحقب بعض بنات الأصفر ». فقال : يا رسول الله ائذن لى ولا تفتنى ببنات الأصفر فأنزل الله عز وجل فيه وفى أصحابه (ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).
وحجة درء المفسدة هي الحجة نفسها التي يحتج بها كل علماء السلطان الذين ناصروا حكام الردة , فهم حين يناقشون بالأدلة الشرعية لا يستطيعون نفي الكفر عن هؤلاء الحكام لكنهم يتشبثون بدعوى درء الفتنة !
وهي الحجة نفسها التي احتج بها شيوخ السلفية الذين وقفوا في وجه الثورة ضد الطاغية مبارك ..
لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين مشروعية الخروج على الحاكم المرتد عندما سئل عن حكم الخروج على الحاكم فقال : (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان), ثم أجمع أهل العلم على وجوب الخروج على الحاكم المرتد .
قال ابن حجر في حديثه عن الحاكم المرتد (وأنه ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام بذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض ) الفتح: 13ــ 123
فعلى كل من ينسب نفسه لهذا الدين أن يوالي أولياء الله ويعادي أعداءه , ولا تأخذه في الله لومة لائم ..
أيها المجاهدون في ليبيا لقد بذلتم أرواحكم في سبيل الله وقاتلتم الطاغية حتى من الله عليكم بالقضاء عليه ..
أفتعودون بعد هذا الانتصار العظيم إلى منهج المداهنة والليونة مع من يحاربون شريعة رب العالمين ؟
نسأل الله تعالى أن يجمع كلمة المجاهدين على ما يحبه ويرضاه , وان يرزقهم الثبات على الدين والقوة في الحق .
ولله أعلم
والحمد لله رب العالمين .
|