لا اشبع الله بطنه
لا أشبع الله بطنه
عن بن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله e فتواريت خلف باب قال فجاء فحطأني حطأة وقال اذهب وادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله بطنه» (رواه مسلم2603).
أولا: السؤال: هل الدعاء بأن لا يشبع الله بطن معاوية دعاء عليه؟ لا أرى ذلك. فإن النبي ينهى عن الأكل حتى الشبع والتخمة.
ألا ترى أن النبي e نهى رجلا عن التجشؤ. فعن ابن عمر قال « تجشأ رجل عند النبي e فقال كف عنا جشاءكفإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة» رواه (الترمذي2/78 وابن ماجة رقم3350). وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة1/64 حديث رقم343).
وزاد في رواية « فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا». وفي لفظ آخر: « فما شبعت منذ ثلاثين سنة».
قال الطيبي « والنهي عن الجشاء هو النهي عن الشبع لأنه السبب الجالب له» (مرقاة المفاتيح9/389).
وقد روى عطية بن عامر الجهني قال سمعت سلمان – وأكرِهَ على طعام يأكله – فقال: حسبي، إني سمعت رسول الله e يقول: إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة».
رواه ابن أبي الدنيا من طريق سعيد بن محمد الثقفي عن موسى الجهني عن زيد بن وهب عن عطية..» قال الشيخ الألباني: «الحديث جاء من طرق عمن ذكرنا من الصحابة وهي وإن كانت مفرداتها لا تخلو من ضعف، فإن بعضها ليس ضعفها شديدا، ولذلك فإني أرى أنه يرتقي بمجموعها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال» (سلسلة الصحيحة1/63).
وروى المقدام بن معدي كرب عن النبي e « ما ملأ آدمي وعاء شر من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» (الترمذي2/60 وابن حبان1349 والحاكم4/121 وأحمد في المسند4/132 وصححه الألباني في الإرواء7/41 حديث رقم1983).
فكيف يكون دعاء النبي ألا يشبع معاوية دعاء عليه؟ بل هو دعاء لمعاوية.
ثانيا: هذا الحديث مدرج عند مسلم تحت باب (من لعنه النبي r أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة).
ولذلك صدّر مسلم هذا الباب بقول النبي r : « اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لَعنتُه أو سببتُهُ فاجعله له زكاة وأجرًا » وفي رواية: « إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذتُ عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيتُه أو سببتُهُ أو جلَدتُه فاجعلها له كفارة وقربة ». والاطلاع على الأبواب التي اندرجت تحتها الأحاديث مهم في فقه الحديث.
ولذلك قال النووي: « وأما دعاؤه على معاوية أن لا يُشبع بطنه حين تأخر ففيه جوابان: أحدهما: أن المراء ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجبٌ له، فيظهر له r استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك. وهو r مأمورٌ بالحكم بالظاهر، والله يتولّى السرائر. الثاني: أن هذا ليس بمقصود وإنما هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نيّة، كقوله تَرِبَتْ يمينك و [ثكلتك أمك] وفي حديث معاوية: « لا أشبع الله بطنه » ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف r أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورًا وأجرًا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن r فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعّانًا ولا منتقمًا لنفسه، وقد قالوا له: ادعُ على دَوس فقال: « اللهم اهد دوسًا » وقال: « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » [شرح النووي على مسلم 8/387-390] أ. ه
رحم الله النووي وحشره مع أصحاب رسوله r بما ذبّ عن أعراضهم. وقال بمثل ذلك ابن حجر الهيتمي في كتابه (تطهير الجنان ص37).
وإذا كان هذا موقفه r من قبيلة دوس وهم كفار: فما بالك بموقفه من المسلمين!
قال ابن حجر المكي: « وكان معاوية يكتب الوحي للنبي r وناهيك بهذه المرتبة الرفيعة » [تطهير الجنان 12].
وهؤلاء إذا ذُكِرَت أمامهم فضائل معاوية وأنه كان كاتب الوحي قالوا قد كان الربيع بن العاص من كتبة الوحي ثم ارتد على أعقابه. ما ضربوه إلا جدلاً ] بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ[ [الآية 58 من سورة الزّخرف] فإن معاوية لم يرتد.
بل قد بقي طيلة عهد الخلفاء الأربعة واليًا على الشام ولاّه خير البشر بعد الأنبياء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان خليقا بالولاية جديرا بها. ومجرد ذمه يُعتَبَرُ ذمًّا موجها إلى الخلفاء الذين كانوا يرون فيه الأمانة والكفاية للولاية. قال الذهبي: « حسْبُك بمن يؤمِّره عمرُ ثم عثمانُ على إقليم (وهو ثغر) فيقوم بمهمته أتمَّ قيام ويُرضي الناس بسخائه وحلمه » [سير أعلام النبلاء 3/132].
قال ابن حجر الهيتمي: « وإذا تأملت عزل عمر لسعد بن أبي وقاص الأفضل من معاوية بمراتب، وإبقائه لمعاوية على عمله من غير عزل له: علمتَ بذلك أن هذه تنبئ عن رفعة كبيرة لمعاوية » [تطهير الجنان 21].
هذا الموقف من النووي وابن حجر واضح في أن التعرض لما جرى بين الصحابة وشجر بينهم والطعن في بعضهم ليس من منهج أهل السنة، ولو كان النووي وابن حجر يريان في معاوية ما يراه أعداء معاوية ما رأيا ضرورة توضيح هذه الآثار. ويكفينا أن نعلم أن الانحراف بدأ عند الشيعة بسبِّهم الصحابة وآل بعد ذلك إلى كمٍّ من الانحرافات كالقول بالمتعة والتقية واعتقاد التحريف في القرآن ورفض كتب الحديث كالبخاري ومسلم.
ومن فضائل معاوية التي لا يجوز نسيانها أنه فتح الشام كلها، ومنها لبنان وقبرص. ولولا ذلك لكان شاتموه اليوم إما يهودًا وإما نصارى، مع أن عبد الله المبارك اعتبرهما خيرًا من منكري علو الله، وقال عن الجهمية: شر من اليهود والنصارى. وأشار البخاري إلى هذا في خلق أفعال العباد، فكيف إذا أضيف إلى ذلك سب الصحابة والاعتكاف عند الأضرحة والحيل على الله وفتاوى السوء التي يستدرجون بها العوام نحو الرذيلة والفاحشة!.
والصحابة بشر وليسوا معصومين، وإذا كان الرسول r يقول: « إنما أنا بشر فأيما امرئ ساببته...» مما يعتري النفس البشرية من ثورة وغضب مع أنه نبي، فحصوله من غير الأنبياء من باب أولى، وقد وقع بين الصحابة شجار وسباب لا يجوز أن يستغله الصائدون في الماء العكر ويجيرونه لتأييد عقائدهم الخبيثة، بل نسكت عما شجر بينهم، فإن ستر عورات الصحابة أولى من ستر عورات عامة المسلمين. والسباب من باب ما يقع للأقران مما يجب الإعراض عنه مثلما يحدث بين العلماء الأقران بين بعضهم البعض. وهو ليس شيئًا أمام القتال وقد تقاتلوا.
ثالثا: أما ما اشتهر من قصة النسائي أنه خرج حاجا فسئل عن فضائل معاوية فأجاب بأنه لم يجد له فضيلة إلا حديثا « لا أشبع الله بطنه». فقد تقدم أن هذا الحديث فضيلة لمعاوية.
وأما ما عداه من الفضائل فقد ثبت دعاء النبي r لمعاوية عند غير البخاري وفيه: « اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهده، واهد به » (وقد أخرجه البخاري في التاريخ 4/1/327 وابن عساكر في تاريخه 2/133/1) ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وحكم عليه الألباني بالصحة وذكر تحسين الترمذي له في (سننه 3842) وذكر له خمسة طرق صحيحة وقال: « وبالجملة فالحديث صحيح وهذه الطرق تزيده قوة » [السلسلة الصحيحة 4/9691] مستدركًا بذلك على تضعيف الحافظ له.
ومنها هذا الحديث « أخبرنا عبد الله بن قحطبة حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن سنان قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن معاوية بن صالح عن يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعى عن العرباض بن سارية السلمي قال: « سمعت رسول الله e يقول اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب» (صحيح ابن حبان16/192 وابن خزيمة في صحيحه3/214 والطبراني في المعجم الكبير18/251 وأحمد في المسند4/127 وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم3227).
ويؤكد ابن حجر الهيتمي وجود فضائل صحيحة لمعاوية متعقبا من قال بأن البخاري لم يجد في فضائل معاوية شيئًا بأنه « إن كان المراد أنه لم يصح منها شيء وفق شرطه فأكثر الصحابة كذلك» (تطهير الجنان عن التفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان 11-12).
ولكن روى البخاري وصف ابن عباس لمعاوية بأنه فقيه. ) ولكن المنافقين لا يفقهون( كما قال تعالى. وهذه شهادة من ابن عباس لمعاوية وهو من أهل بيت النبي e.
وأما إذا لم يكن يرى النسائي لمعاوية فضلا فقد كان أحمد يرى لمعاوية فضلا كما حكاه ابن الجوزي (مناقب الإمام أحمد ص164). وكان البخاري والشافعي وسائر أئمة هذه الأمة يترضون عن معاوية. وهذا من حدا بالحافظ الذهبي وغيره إلى وصف النسائي بأنه كان فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي رضي الله عنه (سير أعلام النبلاء14/133).
منقول
__________________
[SIGPIC][/SIGPIC][align=center]قل للئيم الشاتم الصحابه....ياابن الخنا جهراً ولا تهابه
السابقون الاولون كالسحابه....تغيث بلقعاً تهرها كلابه
الفاتحون الغر أسود الغابه....الله راضٍ عنهم ولتقرؤا كتابه
[/align]
|