قال تعالى:
"وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين" البقرة 190
الكثير من الحقائق المتعلّقة بالجهاد لا يعرفها الكثير من محبي الجهاد
وقد هدى اللهُ لها العلماءَ أصحاب البصيرة
وإنّ جهلَ الكثيرين بهذه الأمور المتعلّقة بالجهاد - مع قيامهم به -
لهي أشدّ ما يعصف بهم ويُضعف شرعية جهادهم إن لم يُلغها بالكلّيّة
الحقيقة الأولى :
أنه لا جهاد إلا بوجود وليّ أمرٍ
وهذه من أصول أهل السنة والجماعة
إذ مقتضى هذه الحقيقة أنه لا يُقام بالجهاد لمجرد وجود حماسٍ يدفع له !
أو ظلمٍ واضطهادٍ يُولّده ويُنشؤه !
بل لا بدّ من وجود من يُعتبر - شرعاً - وليّ أمرٍ يقوم على أمر الجهاد ويُنظّمه
ويتصرّف في الغنائم وما يفيء الله به على المسلمين من جهادهم
ووليّ الأمر يُراد به من له ولاية وسلطان ونُفوذ
لا كلّ من اتّفقتْ عليه طائفة أو فئة من الشباب ! ولو كان ضعيفاً مُعدَماً لا قوة عنده ولا سُلطان !
الحقيقة الثانية :
لا جهاد إلا بوجود القوّة
والمتتبع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم
يجد أنه كان يُواجه آلام أصحابه الذين يُعذّبون في مكة في صدرِ الإسلام
بالتثبيت والوعد بالخير وبالأمر بالصبر في ذات الله
ولم يقُم بالجهاد ضدّ مشركي مكة مع أن دواعي الجهاد قد توفّرت آنذاك
ولكن لما لم تكون مقوّماتُه متوفّرةً لم يقُم به صلى الله عليه وسلم ،
ولنا فيه أحسن الأسوة
نعم
هناك من صور جهاد الدفع ما لا يُشترط فيها القوة ،
لكن :
الحقيقة الثالثة :
لا جهاد دفعٍ في حالة استحكام العدوّ وتمكّنه من المسلمين
ومعنى هذا أننا وإن كنّا لا نشترط وجود القوة في بعض صور دفع العدوّ ؛
فإنه في حالة إحكام العدوّ قبضته وتمكّنه من المسلمين وغلبة الظنّ على الهلاك
فإنه لا يجوز بدء الجهاد ولو كان جهادَ دفعٍ
بل نحن مأمورون بالهجرة أو بالصلح حقناً للدماء
* " قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض
قالوا أولم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ً"
* وقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً وصالح اليهود
الحقيقة الرابعة :
الإعداد الإيمانيّ أوجب من الإعداد البدنيّ
ولذلك فإن قوة المسلمين وكثرتهم لم تنفعهم في ( أُحد ) ولا في ( حُنين )
لمّا خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم
فمخالفة أمر الله ورسوله أحرى بتأخير النصر
لا سيما إن وقعتْ فيمن هم بعد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم
وما مظاهر الشرك ! والبدع ! والمعاصي ! التي تتفشى في المسلمين
إلا أكبر برهان على تخلّف النصر وتعجيل الهزيمة
فالعجب - كل العجب - ممن يدعو لجهاد الكفار ويترك جهاد الشرك والبدع !
كيف والأنبياء ما بُعثوا إلا لتصحيح عقائد الناس وعباداتهم
كيف وجهاد الكفار بالبدن ما شُرع إلا مقصوداً لغيره وهو نشر دين الله
بينما جهاد الشرك والبدعة مشروعٌ لذاته
فلماذا الغفلة عن الأوجب ؟!
الحقيقة الخامسة :
المأمور بالإعداد للجهاد هم ولاة الأمر
ولذلك ذكر الشيخ ابن عثيمين عن قول الله تعالى : " وأعدوا ... "
أن المُخاطَب بهذه الآية هم ولاة الأمور لا آحاد الناس
وإذا عرف الشباب هذا
فقد تركوا الانشغال بما لا يفيد
وأقدموا على الاشتغال بالنافع المفيد
فإنه لا أضرّ على الشباب
من إضاعة الأعمار والأوقات والجهود والأموال فيما ليس من شأنهم
وإن تقصير ولاة الأمور في هذا الجانب
لا يجيز التعدّي على حقوقهم والقيام بما هو منوطٌ بهم !
الحقيقة السادسة :
لا يجوز بوجه من الوجوه الاعتداء على معصومي الدم من الكفار
وهم :
1- الذِّمِّيّ :
وهو :
( من أُمضيَ له عقد ذِمَّةٍ )
[ كذا في : معجم لغة الفقهاء ص 214 ]
وعقد الذِّمَّةِ هو :
( عهدٌ يُعطى للمواطنين غير المسلمين في دولةِ الإسلام
بالحِفاظِ على أرواحهم وأموالهم وعدم المساس بأديانهم )
[ كذا في المعجم نفسه ص 214 ]
2- المُعاهَد :
وهو :
( من أُبرِمَ معه أو مع دولته معاهدةُ صُلْحٍ أو معاهدةُ عدمِ اعتِداءٍ )
[ المعجم نفسه ص 438 ]
3- المُسْتأمِن :
وهو :
( من أُعطِيَ الأمانَ المُؤَقَّتَ على نفسه وماله وعِرْضه ودِيْنه )
[ المعجم نفسه ص 426 ]
الحقيقة السابعة :
أن عقد الأمان يُمنحُ من كلّ مسلم
ولذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم هانيء
لمّا اجارتُ من أجارت يوم فتح مكة : " قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانيء "
ويُعدُّ هذا الأمان ملزماً لكل المسلمين وعاصماً لدم ذلك الكافر
فكيف إذا صدر هذا الأمان من وليّ أمر المسلمين ؟!
وأختم بكلامٍ نفيسٍ للشيخ ابن عثيمين يرحمه الله قاله في
( شرح كتاب الجهاد من بلوغ المرام الشريط الأول الوجه أ ) :
" ولهذا لو قال لنا قائل الآن لماذا لا نحارب أمريكا وروسيا وفرنسا وانجلترا ؟!
لماذا ؟!
لعدم القدرة
الأسلحة إلي قد ذهب عصرها عندهم هي التي في أيدينا
وهي عند أسلحتهم بمنزلة سكاكين الموقد عند الصواريخ
ما تفيد شيئاً
فكيف يمكن أن نقاتل هؤلاء ؟
ولهذا أقول :
إنه من الحمق أن يقول قائل أنه يجب علينا أن نقاتل أمريكا وفرنسا وانجلترا وروسيا !
كيف نقاتل ؟
هذا تأباه حكمة الله عز وجل ويأباه شرعه
لكن الواجب علينا أن نفعل ما أمر الله به عز وجل ( اعدوا لهم ما استطعتم من قوة )
هذا الواجب علينا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة
وأهم قوة نعدها هو الإيمان والتقوى" انتهى كلامه
والله وليّ التوفيق