والان لنغوص بعض الشىء فى الفاظ الاية نلاحظ :
(((((
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)))
اقرأ الايات بصوت عال ثم تفكر :
1- ان هناك دقة متناهية اعجزت البلغاء من اهل العربية فى انتقاء الالفاظ التى تنبىء عن المقصود باقل لفظ ما كثرة المعانى التى تعج بها الاية . فمثلا :
ا- المجىء يدل دلالة صريحة على سرعة اجابة موسى عليه السلام للوعد الالهى له وهى المناسبة لما قبلها من الايات (((((وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) )))))
2- ان السياق الخبرى الذى اثببته الاية هو من باب التعليم لامة محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يجهله عن احوال الامم من قبله وخصوصا امة موسى عليه السلام فاستخدم الله تعالى الاسلوب الخبر ليخاطب من لا يعلم بامر غاب عنهم ولم يكونوا حاضريه وقتئذ وهذا الضرب هو ما يسمى بالابتدائى وهو ما يلقى الى خالى الذهن منعا للتردد والانكار وهما غير موجودين فى امة محمد صلى الله عليه وسلم ولا فى رسولنا الكريم . فتنبه .
3- وهناك ملحظ لطيف يجب ان نتداركه سويا ان هناك مقاما لحب الله تعالى لموسى عليه السلام وهذا لا يغفله الا معاند او مكابر وهو ان الله تعالى بمجىء موسى عليه السلام عجل له الكلام لكى لا يجعل نبيه موسى عليه السلام فى لوعة الانتظار فاتى بالواو التى تدل على الاشتراك بين الحكمين مجىء موسى عليه السلام وكلام الله تعالى وكأنهما فى وقت واحد قد حدثا . فاعلم .
4- ان افعال موسى عليه السلام والتى يعلمها الله عز وجل وما فعله مما نظنه - بمقاييس البشر - من الاخطاء ففى الاية رد على الجميع باثبات هذه الواو ان الله عز وجل يعذره فيها . يقول ابن القيم رحمه الله تعالى ":::
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول
: "انظر إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها وجر بلحية نبي مثله وهو هارون ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد صلى الله عليه وسلم ورفعه عليه وربه تعالى يحتمل له ذلك ويحبه ويكرمه ويدلله لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له وصدع بأمره وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر".
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد
جاءت محاسنه بألف شفيع """.
5-وايضا موسى عليه السلام احس بهذه الحفاوة من قبل رب العزة تبارك وتعالى فلم يمهل نفسه فى ظل هذه الاشراقة والحفاوة التى شعر بها فى كلام الله تعالى له ان نفسه اشتاقت لرؤية من يكلمه وهو اشتياق محسوس من قبل موسى عليه السلام وهو يعلم انه امر ممكن والا ما طلبه موسى عليه السلام ولكن هذا ما كان فى علم موسى عليه السلام فسارع بطلب الرؤية لعلمه انه ممكن عقلا وعادة لحفاوة الله تعالى .
6- ثم تاتى القدرة الالهية برد اسرع مما فى نفس موسى عليه السلام لتعليمه ما غاب عنه انك يا موسى على حالتك هذه وضعفك """ لن ترانى """ .
7- ضرب الامثال من الله تعالى وهو ما تفرد به كتاب الله تعالى للاقناع الذى لا يعتريه شك ويحويه نقص فقال له "" ولكن انظر الى الجبل "" وهو من الله تعالى مثل لمن هو اقوى من موسى عليه السلام فى الصلابة والقوة .
8- ثم تاتى روعة الالفاظ وبيانها فى قوله تعالى ((( ولكن انظر الى الجبل )) ومن البديهى ان
النظر يقتضى بدلالة المفهوم والتضمين التأمل والتدقيق والبحث بعيد المنال حتى يدركه ان لم يكن مستحيلا ولذلك استخدم اسلوب الامر الصريح وكأن نفس النظر صعب فيحتاج الى ما يقربه الى الامكان فاختار الواسطة بضرب المثل مع كون الامر فى حد ذاته مستحيل الوقوع فقربه للامكان فاصبح بعيد المنال الا انه من الامكان بمكان .- فتنبه - فعلق الامر على ممكن عقلا وعادة .
8- اختيار لفظة ( لن ترانى ) وفيه الخطاب موجها الى موسى عليه السلام كما اومأنا أنفا . ولو كانت الرؤية ممتنعة او مستحيلة لقال الله تعالى فى " ان ارى او لن يرانى احد " ولكن طالما ان اللفظة هكذا فدلالة التصريح ان الرؤية غير ممتنعة فى حقه تعالى ودللالة المفهوم طالما ان الله تعالى لم ينفها تبقى على جواز او امكان وقوعها .
9- ان الاتيان بلفظ ولكن تشعر بامر فى غاية من الدقة وهو "" امكان وقوع الرؤية " كيف ؟؟
ان الاداة لكن تفيد الاستدراك ومعناها نفى ما قبلها واثبات ما بعدها وكان الله تعالى استدرك امر ( لن ترانى ) بقوله ( ولكن انظر الى الجبل )) والاستدراك استثناء من اصل الحكم اى ان قوى الجبل على الاستقرار فسوف ترانى انت يا موسى .!!
سبحانك ربنا
*************
نواصل باذن الله تعالى