تكرر في القرآن الكريم ذكر وجوب التحاكم إلى الشرع والتحذير من الخروج عليه وتكررت الآيات التي ورد فيها أن التحاكم إلى غير شرع الله شرك واتباع للطاغوت والهوى وخضوع للجاهلية كما تكررت الآيات التى تنفي الإيمان عن كل من أعرض عن شرع الله أو تحاكم على غيره
وتكرر في القرآن اختصاص الله تعالى بالحكم
ورد ذلك في قوله تعالى :{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [12/40]
وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ...} الآية [12/67]،
وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ...} الآية [42/10]،
وقوله تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ} [40/12]،
وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [28/88]،
وقوله تعالى: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [28/70]،
وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [5/50].
وقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} [6/114]،
وتكرر في القرآن نفي الإيمان عن المتحاكم إلى غير الله
قال تعالى :{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء : 65]
{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة : 43]
وتكرر في القرآن أن عدم الاحتكام إلى ما أنزل الله عبادة للهوى
قال تعالى : {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } [المائدة : 48]
وقال تعالى :{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ }[المائدة : 49]
وقال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ }[ص : 26]
وقال تعالى : {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الجاثية : 18]
وقال تعالى : {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } [القصص : 50]
وتكررت في القرآن أن الطاعة لغير الله في التشريع عبادة وشرك
قال تعالى : {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [الأنعام : 121]
وقال تعالى : {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ...} الآية[9/31]،
وقد بين النَّبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه أن ذلك بسبب طاعتهم في التشريع .
وسمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ...} الآية[6/137].
وقال تعالى : {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا} [18/16] وقرأ ابن عامر : {ولا تشرك} بضم التاء وسكون الكاف بصيغة النهي.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي : ( وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا} [18/16] شامل لكل ما يقضيه جل وعلا ؛ ويدخل في ذلك التشريع دخولاً أولياً. ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (3 ( 258/
وأخبر الله تعالى بأن التحاكم إلى غير الله عبادة للطاغوت
فقال تعالى :{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً} [4/60]،
وذكر تعالى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت
فقال تعالى :{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ سْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [2/256].
و(مَن) هنا شرطية أي أن شرط الاستمساك بالعروة الوثقى هو الكفر بالطاغوت .
***
وهذا كله يدل على أن التحاكم إلى شرع الله مقصد عظيم من مقاصد الشرع أنزل الله الكتب وأرسل الرسل من اجل تحقيقه وقد صرح الله تعالى بذلك فقال جلت عظمته : {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء : 105]
وقال سبحانه : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } [البقرة : 213]
***
- المقدمة الثانية: ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب )
تقرر عند أهل العلم أنه إذا كان السبب خاصا واللفظ عاما فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ وهذه أقوال أهل العلم في المسألة :
يقول أ.د. عياض بن نامي السلمي : (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو مذهب جمهور العلماء، وعليه العمل عند أكثر الفقهاء من أتباع المذاهب وغيرهم.
دليله :
1ـ أن الصحابة والتابعين استدلوا بالآيات والأحاديث العامة الواردة على أسباب خاصة في عمومها، ولم يقصروها على أسبابها، وذلك كآيات اللعان والظهار والسرقة والمواريث.
2ـ أن الحكم إنما يؤخذ من نص الشارع، وهو نص عام فيجب حمله على عمومه.
3ـ … أن عدول الشارع عن الجواب الخاص إلى العموم دليل على أنه أراد العموم.
4ـ … ما ثبت في الصحيحين من استشهاد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } [الكهف54]، على علي - رضي الله عنه - عند ما أيقظه النبي صلى الله عليه وسلم هو وفاطمة لصلاة الليل، فقال علي : إن أرواحنا بيد الله، إن شاء بعثنا، فولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب فخذه ويقول : { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } متفق عليه، مع أن الآية نزلت في الكفار الذين يجادلون في القرآن). [أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (1 / 247)]
ويقول زكريا بن غلام قادر : ( القاعدة الرابعة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛
النص العام الوارد بخصوص سبب من الأسباب ، فإنه يعمل به على عمومه ولا يخصص بذلك السبب ، وعلى هذا جرى فهم الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد سأل قوم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يركبون البحر ومعهم ماء لا يكفي إلا للشرب فقال : (( هو الطهور ماؤه )).
وقد أفتى بهذا العموم جمع من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وابن عباس مع أن العموم كان وارداً على سبب وهو حاجتهم إلى الماء للشرب إذا ركبوا البحر .
قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 201 ) : ( وهذا المذهب هو الحق الذي لا شك فيه ، لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع وهو عام ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة ولم يأت أحد من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك ، وإذا ورد في بعض المواطن ما يقتضي قصر ذلك العام الوارد فيه على سببه لم يجاوز به محله بل يقصر عليه ، ولا جامع بين الذي ورد فيه بدليل يخصه وبين سائر العمومات الوردة على أسباب خاصة حتى يكون ذلك الدليل في الموطن شاملاً لها ). انتهى . [أصول الفقه على منهج أهل الحديث - (1 / 94) ]
***
-المقدمة الثالثة : مناطات التكفير في موضوع الحكم بغير ما أنزل الله
مناطات التكفير بالنسبة لموضوع الحكم بغير ما أنزل الله أربع هي :
المناط الأول : التحاكم إلى غير شرع الله
أدلته :
- من أدلة هذا المناط قوله تعالى : {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [الأنعام : 121]
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي : ( فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم. وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى ـ هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [يس : 60 ، 61] وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: { يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } [مريم : 44] ، وقوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً} [4/117] أي ما يعبدون إلا شيطاناً، أي وذلك باتباع تشريعه. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (3 /259) ]
- ومن أدلة هذا المناط قوله تعالى :
تتمة المقال: http://www.tawhed.ws/dl?i=09051010
ملحق به: http://www.tawhed.ws/FAQ/display_que...&pageqa=2&i=11
[/RIGHT]
------------------------
أثر ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي رواه الحاكم في "المستدرك"، و البيهقي في "السنن" من طريق هشام بن حجر عن طاوس عنه في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44].
قال: "كفر دون كفر" فلا يصح سنده، وعلّة هذا الحديث هو وجود هشام بن حجير: ضعفه يحيى بن معين ,وعلي ابن المديني ,وسعيد بن يحيى القطّان ,وابن حجر, والذهبي, ومكّي، وقال احمد بن حنبل ليس بذاك، ولم يروي له البخاري ومسلم الاّ حديث واحد متابعة .
أثر أبن مسعود
فائدة :: أخرج ابن جرير في تفسيره (12061): حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة ومسروق
" أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال: من السحت. قال فقالا: أفي الحكم ؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا هذه الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} .
أثر صحيح الإسناد إلى ابن مسعود -رضي الله عنه- رجاله ثقات رجال الكتب الستة .[ انظر تهذيب التهذيب 6/240، 6/41-43، 3/497 -498، 2/380]
وأخرج أبويعلى في مسنده (5266)
وأخرجه البيهقي (10/139)
وكذلك وكيع في أخبار القضاة(1/52)
وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (2/250)