الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
الأخت حفظك الله، أنصحك بالكف عن تجريح العلماء والإقبال على العلم الشرعي على أصوله، فلا أنت في منزلة من تجرحين ولا ضبطت علم الجرح والتعديل، ناهيك عن تجريح كل علماء الاتحاد العالمي، فمن أصول هذا العلم :
وَاشتَرَطُوا عَداَلَةً لِلجارِحِ ** وَعِلمُهُ أَسبابَ كُلِّ قَادِحِ
وَأَن يَكُونَ يَقِظاً ذَا وَرَعْ ** وَغَيرَ ذِي تَعَصُّبٍ للبِدَعْ
وأي تجريح قد صَدَرْ ** عن غير عارفٍ مجتهدٍ لا يُعتبر
وَيُقبَلُ التَّعديلُ بِالتَّفسيرِ ** وَلَيسَ مُبهَماً مِنَ الخَبِيرِ
ثبوتُ تعديلٍ وجرحٍ من أهم **ما في التعارض بتعويل يُؤم
لأنه قبل التعارض إذا ** ثبوت قولٍ لم يراع نبذا
جرحاً يكون القول أو تعديلا ** فاحذر: ويُذكر يُقال قيلا
فكم تعارضاً حكاه المدَّعي ** فكان وهمِيا لشرطٍ ما رُعي
فأنت مجهولة الحال لا نعرفك من أهل الاجتهاد في الصنعة فيكون كل تجريح منك قد صدر يُرد ولا يُعتبر وهذه واحدة.
الثانية أن مقتضى الجهالة كونك غير معروفة الحال فلا نعرف قدر ورعك ومسائل الجرح عظيمة .
الثالثة لم تطبقي القواعد المرضية في هذا العلم الجليل وقد خالفت ما يقارب عشرة قواعدة مشهورة متواترة، وهذه بيانها لاحقا .
رابعا : الشيخ القرضاوي في أسوء الحالات تطبق عليه ضوابط تعارض الجرح والتعديل، هذا إن سلَّمنا جدلا بصحة الجرح ومدى قدحه من عدمه وطبقنا قواعده المنصوصة، والتي قد نتوسع فيها إن أحب القوم.
وفي علم الأصول فالعقلي يراد به الأدلة الاجتهادية العقلية وهي القياس والاستصلاح ورعاية المصالح والاستصحاب والاستحسان، والقرضاوي من مدرسة أهل الرأي، ويوافق الحنفية في ذلك. يقول بالاستحسان بأنواعه كعقد الاستصناع، والاستحسان بالضرورة، واستحسان رفع الحرج، والاستحسان بالمصلحة، وإذا وقع تعارض بين نص ظني من الكتاب أو السنة وبين القياس فإنه يأخذ بالدليل الأقوى استحسانا، وهذا هو منهج الحنفية في هذا الباب. كما أنه يتوسع في القياس كما هو عادة الحنفية، فاختلط على أصحابنا من طلاب العلم فحسبوا أنه أتى بما لم يأت به الأوائل فألصقوا العصرانية به ظلما.
أما السنة الصحيحة المتواترة فهو لا يأخذ بخبر الآحاد إلا إذا انتشر العمل به دون منكر أو كان غير معارض للقياس، فهو لا يأخذ بخبر الواحد فيما تعم به البلوى كما أنه يقدم القياس الجلي على خبر الواحد المعارض له، وهي عادة المذهب الحنفي، وهو أشد ما وصلني عنه لكني رأيته توقف عن الأخذ بهذا الشرط وخرج عن موافقة الأحناف في هذه المسألة كما هو واضح في بعض كتبه. خاصة عند بداية استقلاله عن منهج شيخه الغزالي وعن الشيخ شلتوت.
فيكون منهجه الأصولي كالآتي على طبقات :
الطبقة الأولى : اعتباره بأن الوحي بقسميه قرآن وسنة أصل أساسي.
الطبقة الثانية : الإجماع والقياس وهما أصلين تابعين.
الطبقة الثالثة: الأصول الاجتهادية وأولها الاستصلاح .
الطبقة الرابعة : الأصول الاجتهادية الثانوية وعلى رأسها الاستحسان.
أما العقل فقد صرح في كتبه انه إذا تعارض معقول مع منقول قدم المنقول على المعقول، وأنكر على المعتزلة مذهبهم إلى جانب العلمانيين، وقد حدد قواعدا للتعامل مع العقل عند استنباط الأحكام ولخصها في تسعة شروط مبسوطة في كتبه الأصولية .
أما في الاختيارات فنراه يميل إلى ترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم في كثير من الأحوال، كما أنه يميل أيضا إلى ترجيحات الشاطبي وابن حزم والزركشي، فتكون فتاواه موافقة للظاهرية تارة وللشافعية تارة، والمالكية في أمور، الحنفية في أخرى.
وهو يقول بأصل سد الذرائع غير أنه لا يتوسع فيها بل على العكس يميل إلى فتحها أكثر من سدها وفي هذا أمور أصولية عديدة، وهو ما جعل البعض يتهمه بتتبع الرخص وهي فرية لا تصمد عند التحقيق في كتب الرجل. بل هذا الاعتراض أقرب إلى التخليط الناتج عن عدم فهم لقواعد الأصول.
أما في باب المقاصد فنجده يتوسع فيها بحيث يقول بأن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته، ويرى التمييز بين العام والخاص، ومراعاة وقائع الأحوال، ومراعاة تغير الأعراف، والتمييز بين الوسيلة المتغيرة والهدف الثابت من النص، والتفريق بين ما هو سنة تشريعة ملزمة وما هو بسنة غير ملزمة، ويأخذ بفقه الموازنات إذا تعارضت المصالح والمفاسد، ويأخذ بمراتب الأعمال في ترجيحه الفقهي. وإن تتبعتُ منهجه الأصولي فلن أفرغ منه لكبره .
فما رأيناه أتى لنا بأصل غير معروف عند الأصوليين بالجملة، إنما الخلاف في مدى اعتبار هذا الأصل معتبرا من عدمه . وهنا يأتي اختلاف أهل العلم .
وطبعا نحن نخالفه في كثير من الأشياء سواء ما تعلق بأشياء في منهجه الأصولي أو المتعلقة بتخريجاته، لكننا نرى بأنه على منهج ولا يخبط خبط عشواء، وينتفع بعلمه ويرد عليه غلطه، وليس كما يسوق المجرحون والله اعلم .
وما أجمل ما قال التاج السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية : "نبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض؛ إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحًا عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم عندي نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين، ويقضي لبعضهم على بعض. فإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي، أو بين أحمد ابن حنبل والحارث المحاسبي، وهلم جرًّا إلى زمان الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين ابن الصلاح، فإنك إن اشتغلت بذلك خشيتُ عليك الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل ربما لم يفهم بعضها، فليس لنا إلا الترضي عنهم، والسكوت عما جرى بينهم، كما يفعل ذلك فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم"
|