عقيدة أهل الإيمان في الحكم بغير ما أنزل الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق المبين، الذي من تمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى وكان من الناجين، ومن أعرض عنه خاب وخسر وكان من النادمين حيث لا ينفع ندم ولا أنين...
والصلاة والسلام على النبي الهادي الأمين، جاءنا بشرع من ربه أغنى عن جميع الشرائع والقوانين، وعلى آله وأصحابه والتابعين الذين جاهدوا ويجاهدون لنصر هذا الدين، وإعلاء كلمة الله فوق كل المعاندين المارقين المنافقين المرتدين المعادين المحادين لله ورسوله المؤمنين..
أما بعد؛
نظرًا لما أصاب كثيرا من الأصول الإسلامية من انحراف وغبش في أذهان كثير من الناس في هذا العصر ولما يثيره أعداء الإسلام الظاهرون منهم و المتسترون من شبهات و أباطيل فإنه من الضروري أن يقوم أهل السنة والجماعة بتجلية تلك الأصول وكشف هذه الشبهات، وبيان حقيقة الدين الإسلامي الذي لن يقبل الله غيره {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 58] وقضية تحكيم الشريعه هي أصل الدين، ولا شك أن تنحية شرع الله تعالى، وعدم التحاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عواقب الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حل بهم من أنواع الفساد وصنوف الظلم والذل والمحق.
ونظرا لأهمية وخطورة هذه المسألة من جانب، وتصدر علماء السوء والتلبيس على الناس في جانب أخر، كتبت بحث مختصر جمعت فيه كلام العلماء الربانين سلفا وخلفا في جميع جوانب المسألة؛ ونظرًا لخطورة المسألة فقد آثرت أن يكون النقل عن العلماء المجمع على إمامتهم من السلف والمعاصرين، وليس لي في البحث إلا الجمع والترتيب؛ والقليل من النكت الحديثية، فهذا الموضوع لا يكتب فيه بالرأي؛ إنما هو قول الله جل وعلا وقول نبيه صلى الله عليه وسلم؛ وفهم العلماء.
وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول وجوب تحكيم الشريعه وصلته بأصول الدين.
المبحث الثاني آيات سورة المائدة، تكلمت فيه عن أسباب النزول وهل الآيات خاصة أم عامة.
البحث الثالث تفصيل حالات الحكم بغير ما انزل الله وفيه مطلبان:
المطلب الأول الكفر المخرج من المله وفيه أقسام:
القسم الأول:كفر الإعتقاد.
القسم الثاني: التشريع العام المخالف لما أنزل الله.
القسم الثالث: التحاكم إلى الشرع المبدل.
المطلب الثاني: الكفر الأصغر.
المبحث الرابع شبهات وردود.
الشبهه الأولى: قول ابن عباس "كفر دون كفر" وقصة أبي مجلز.
الشبهة الثانية: لا نكفر أحد بذنب ما لم يستحل.
الشبهه الثالثة: إيثار الدنيا من موانع التكفير.
الشبهه الرابعه: الإستضعاف من موانع تطبيق الشريعه.
الشبهه الخامسة: أن بعض الدساتير الوضعيه تنص على أن الشريعه الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.
وقد آثرت الإختصار غير المخل تجنبًا للتطويل الممل، والله من وراء القصد.
__________________
قال ابن عدي حدثنا الحسين بن بندار بن سعد سنة اثنتين وتسعين ومئتين،أخبرني الحنبلي الحسن بن أحمد الإسفرائيني، قال: قال أحمد بن حنبل سمعت ابن عيينة يقول "إذا اختلفتم في أمر فانظروا ما عليه أهل الجهاد، لأن الله تعالى قال{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}" (الكامل 185/1).
قال شيخ الإسلام:"ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم. كما دل عليه قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم" (مجموع الفتاوى 442/28).
|