عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 2013-03-04, 12:11 PM
أبو سفيان الأثري أبو سفيان الأثري غير متواجد حالياً
عضو فعال بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2013-01-04
المشاركات: 100
افتراضي

المطلب الثاني: الكفر الأصغر

كما سبق أن ليس كل حكم بغير ما أنزل الله مخرج من الملة، وبعد الإنتهاء من المطلب الأول في حالات الحكم المنقلة من الملة يبقى المطلب الثاني وهو حالات الكفر الأصغر وهو قسمين، أحدهما يتعلق بالراعي، والأخر بالرعية.

أما القسم الأول كون الحاكم الذي حكم بغير ما أنزل الله كفره من قبيل الكفر الأصغر: وهذا إن لم يجحد شرع الله ولم يستبدله بغيره، ولم ينازع الله في ربوبيته فشرع شرعًا أخر ألزم به الناس، بل أقر بشرع الله وحكم به بين الناس وألزم به الرعيه، لكن حكم في قضيه معينه بغير ما أنزل الله إما لشهوة أو رشوة، فهذا لم يكفر بفعله هذا إنما ارتكب كبيره من كبائر الذنوب، لكن لا يخرج من المله.

يقول الشيخ العثيمين رحمه الله في حالات الحكم بغير ما أنزل الله الغير منقله من المله:
"أن يستبدل بحكم الله تعالى حكمًا مخالفًا له في قضية معينة دون أن يجعل ذلك قانونًا يجب التحاكم إليه فله ثلاث حالات:

الأولى: أن يفعل ذلك عالمًا بحكم الله تعالى معتقدًا أن ما خالفه أولى منه وأنفع للعباد، أو أنه مساو له، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فهذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة لما سبق في القسم الأول.

الثانية: أن يفعل ذلك عالمًا بحكم الله معتقدًا أنه أولى وأنفع لكن خالفه بقصد الإضرار بالمحكوم عليه أو نفع المحكوم له، فهذا ظالم وليس بكافر وعليه يتنزل قول الله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

الثالثة: أن يكون كذلك لكن خالفه لهوى في نفسه أو مصلحة تعود إليه فهذا فاسق وليس بكافر وعليه يتنزل قول الله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}". (1)


القسم الثاني كون من اتبع الحكم المخالف لما انزل الله كفره كفر أصغر: إن كان من غير رضا به أو تقديما له على حكم الله ورسوله.

قال العثيمين رحمه الله:
"اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بقولهم مقدمًا له ساخطًا لحكم الله، فهو كافر لأنه كره ما أنزل الله، وكراهة ما أنزل الله كفر لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر.

القسم الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بحكم الله، وعالمًا بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه تابعهم في ذلك فهذا لا يكفر ولكنه فاسق.
فإن قيل: لماذا لا يكفر؟
أجيب: بأنه لم يرفض حكم الله، ولكنه رضي به وخالفه لهوى في نفسه فهو كسائر أهل المعاصي.

القسم الثالث: أن يتابعهم جاهلًا يظن أن ذلك حكم الله فينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن يمكنه معرفة الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر فهو آثم؛ لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.
القسم الثاني: أن يكون جاهلًا ولا يمكنه معرفة الحق بنفسه فيتابعهم بفرض التقليد يظن أن هذا هو الحق فلا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به وكان معذورًا بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن من أفتى بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه» ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره، للزم من ذلك الحرج والمشقة ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطأه". (2)

وعلى هذا يتيبن أنه لابد لكي يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أصغر بالنسبة للحاكم القيود التالية:

1- أن يحلو من كفر الإعتقاد السابق تفصيله.
2-أن تكون السيادة للشريعه الإسلامية، وأصل التحاكم مبنيًا على الكتاب والسنة.
3- أن تكون في حوادث الأعيان لا في الأمور العامة التي تفرض على جميع الناس بحيث تصبح قانونًا عامًا.


ولكي يكون التحاكم لغير الكتاب والسنة كفرًا أصغر لابد من القيد التالي:
أن يقر المعرض بأن حكم الله هو الحكم الحق، ولا حكم أفضل من حكمه ولا يعدله، وأنه لا يجوز التحاكم إلى غيره، ومن ثم فهو بتركه حكم الله مقر بأنه آثم مرتكب لمعصية يستحق العقاب.
إذ لو اعتقد أن حكمه جائز وأنه غير عاص فيه لم يكن كفره كفرًا أصغر.


وأكتفي بهذا ففيه الكفاية بإذن الله.


يبقى مبحث الشبهات، ونبدأ - بإذن الله - بشبهة قول ابن عباس "كفر دون كفر" وقصة أبي مجلز مع الإباضية وتعميمها في كل حالات الحكم بغير ما أنزل الله.


ــــــــــ

(1) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (146/2).
(2) المصدر السابق (197/2-198).


__________________
قال ابن عدي حدثنا الحسين بن بندار بن سعد سنة اثنتين وتسعين ومئتين،أخبرني الحنبلي الحسن بن أحمد الإسفرائيني، قال: قال أحمد بن حنبل سمعت ابن عيينة يقول "إذا اختلفتم في أمر فانظروا ما عليه أهل الجهاد، لأن الله تعالى قال{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}" (الكامل 185/1).

قال شيخ الإسلام:"ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم. كما دل عليه قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم" (مجموع الفتاوى 442/28).

رد مع اقتباس