الشبهه الثانية "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"
قالوا من أصول أهل السنة أنهم لا يكفرون أحد بذنب ما لم يستحل؛ ويحتجون لذلك بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله لا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار" وبقول الطحاوي "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" والحاكم بغير ما أنزل الله داخل في هذا العموم فلا يكفر إلا أن يستحل، والإستحلال عمل قلبي، فجعلوا مناط التكفير هو إعتقاد القلب!
وهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن الاستحلال كما أنه يكون بالاعتقاد دون العمل تارة، وبالاعتقاد مع العمل تارة أخرى، فإنه يكون أيضاً كذلك عملاً مجرداً، ومن هذا الباب تفريق أهل العلم بين الزاني بمحرم من محارمه والعياذ بالله، وبين من تزوج من محارمه فعقد عليها عقد نكاح، حيث ذكروا في ذلك ما رواه أحمد وغيره عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال:" بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه، أو أقتله، وآخذ ماله " (1).
يقول ابن جرير رحمه الله:
"والأخبار التي ذكرتها آنفا عن البراء بن عازب وغيره، واردة عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضرب عنق الذي عرس بزوجة أبيه، وذلك غير الرجم. قيل: إن الذي أمر عليه السلام بضرب عنقه، لم يكن أمرا بضرب عنقه على إتيانه زوجة أبيه فقط دون معنى غيره، وإنما كان لإتيانه إياها بعقد نكاح كان بينه وبينها وذلك مبين في الأخبار التي ذكرتها قبل، وذلك قول الرسول الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الذي فعل ذلك للبراء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إلى رجل تزوج امرأة أبيه لأضرب عنقه ولم يقل: إنه أرسلني إلى رجل زنى بامرأة أبيه لأضرب عنقه وكان الذي عرس بزوجة أبيه، متخطيا بفعله حرمتين، وجامعا بين كبيرتين من معاصي الله إحداهما: عقد نكاح على من حرم الله عقد النكاح عليه بنص تنزيله بقوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] والثانية: إتيانه فرجا محرما عليه إتيانه وأعظم من ذلك تقدمه على ذلك بمشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلانه عقد النكاح على من حرم الله عليه عقده عليه بنص كتابه الذي لا شبهة في تحريمها عليه، وهو حاضره. فكان فعله ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه به عن الله تعالى ذكره، وجحوده آية محكمة في تنزيله فكان بذلك من فعله كذلك، عن الإسلام إن كان قد كان للإسلام مظهرا مرتدا، أو إن كان من الكفار الذين لهم عهد، كان بذلك من فعله وإظهاره ما ليس له إظهاره في أرض الإسلام للعهد ناقضا، وكان بذلك من فعله، حكمه القتل وضرب العنق. فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه إن شاء الله، لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام، والناقض عهده من أهل العهد". (2)
وقال الطحاوي رحمه الله:
"فلما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الرسول بالرجم , وإنما أمره بالقتل ثبت بذلك أن ذلك القتل ليس بحد للزنا, ولكنه لمعنى خلاف ذلك. وهو أن ذلك المتزوج , فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال كما كانوا يفعلون في الجاهلية فصار بذلك مرتدا , فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل به ما يفعل بالمرتد. وهكذا كان أبو حنيفة وسفيان رحمهما الله , يقولان في هذا المتزوج إذا كان أتى في ذلك على الاستحلال أنه يقتل. فإذا كان ليس في هذا الحديث ما ينفي ما يقول أبو حنيفة وسفيان , لم يكن فيه حجة عليهما لأن مخالفهما ليس بالتأويل أولى منهما. وفي ذلك الحديث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لأبي بردة الراية» ولم تكن الرايات تعقد إلا لمن أمر بالمحاربة , والمبعوث على إقامة حد الزنا , غير مأمور بالمحاربة. وفي الحديث أيضا أنه بعثه إلى رجل تزوج امرأة أبيه وليس فيه أنه دخل بها. فإذا كانت هذه العقوبة وهي القتل مقصودا بها إلى المتزوج لتزوجه دل ذلك أنها عقوبة وجبت بنفس العقد لا بالدخول ولا يكون ذلك إلا والعاقد مستحل لذلك". (3)
وقال السندي في حاشيته على سنن ابن ماجة:
"قوله: (تزوج امرأة أبيه) أي: نكحها على قواعد الجاهلية، فإنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم يعدون ذلك من باب الإرث؛ ولذلك ذكر الله - تعالى - النهي عن ذلك بخصوصه بقوله {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22] مبالغة في الزجر عن ذلك فالرجل سلك مسلكهم في عد ذلك حلالا فصار مرتدا فقتل لذلك، وهذا تأويل الحديث من يقول بظاهره". (4)
قال ابن حجر رحمه الله: "وقد قال بظاهره أحمد وحمله الجمهور على من استحل ذلك بعد العلم بتحريمه بقرينة الأمر بأخذ ماله وقسمته". (5)
وقال القاري "ذهب أكثر أهل العلم إلى أن المتزوج كان مستحلا له على ما يعتقده أهل الجاهلية فصار بذلك مرتدا محاربا لله ولرسوله ; فلذلك أمر بقتله وأخذ ماله وكان ذلك الرجل يعتقد حل هذا النكاح". (6)
وقال الشوكاني رحمه الله " والحديث فيه دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيا من قطعيات الشريعة كهذه المسألة، فإن الله تعالى يقول: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر - صلى الله عليه وسلم - بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا وذلك من موجبات الكفر، والمرتد يقتل". (7)
وقال المنذري رحمه الله:
"ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا وذلك من موجبات الكفر والمرتد يقتل". (8)
فصح أن الإستحلال يكون بالعمل المجرد إن أحاطته القرائن الدالة على ذلك.
وهؤلاء الطواغيت الحاكمين بالقوانين الوثنية إن عددنا القرائن الدالة على استحلالهم الحكم بغير ما أنزل الله ما انتهينا ويكفي ما يكتبونه في دساتيرهم الكفرية أن السيادة للشعب، والشعب مصدر السلطات، وأن التشريع حق مجلس الأمة، وغيرها الكثير! وإن لم تكن هذه الكلمات من قرائن استحلالهم لحكمهم الوثني فهي كلمات مكفرة بذاتها تكفي لإخراج من أتى بها من الإسلام.
الوجه الثاني: أن التعميم المفهوم من الحديث وكلام الطحاوي خطأ محض وقد بَيَّن ذلك كل من تصدر لشرح العقيدة الطحاوية أوعلق عليها ومنهم:
1- ابن أبي العز، قال: "امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب". (9)
2- الشيخ الفوزان، قال: "وقوله: (لا نكفر بذنب) ليس على إطلاقه، فتارك الصلاة متعمداً يكفر، كما دل على ذلك الكتاب والسنة" وقال في موضع أخر "الذنب إذا لم يكن كفراً أو شركاً مخرجاً من الملة، فإننا لا نُكَفّر به المسلم". (10)
3- الشيخ عبد الرحمن البراك؛ قال: "عبارة المؤلف تقتضي أن أهل السنة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بأي ذنب، والذنوب نوعان:
ذنوب من أنواع الردة؛ كالشرك وما في درجته، وهي أعظم الذنوب، وذنوب دون الشرك لا توجب الردة، وإذا أخذت عبارة المؤلف على إطلاقها فظاهرها أن كل من كان مسلما فإنه لا يكفر، بأي ذنب ارتكبه حتى ولو كان شركا، ولا ريب أن الطحاوي لم يقصد هذا، وإنما يقصد الذنوب التي دون الشرك.
ولهذا قال الشارح ابن أبي العز: (امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب؛ بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب) فهذه هي العبارة الدقيقة، وتكون من سلب العموم، لا من عموم السلب؛ كعبارة الطحاوي ومضمون سلب العموم: أنا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب، إنما نكفره بالشرك وما في حكمه، ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بما دون ذلك". (11)
4- الشيخ صالح آل الشيخ، قال: " أُخِذَ على الطحاوي أنه قال (بِذَنْبٍ) وهذا يفيد أنه لا يُكَفِّرْ بأي ذنب.
قال (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني أنَّ أي ذنب لا يُكَفَّرُ به حتى يستحله.
وهذا ليس هو مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة على هذا الإطلاق وإنما يُعَبِّرُونَ بتعبير آخر وهو مراد الطحاوي يقولون (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بمجرّد ذنب) كما يقوله طائفة من أئمة الدعوة، أو (لا نكفر أحداً من أهل القبلة بكلّ ذنب) كما يقوله أيضاً طائفة من العلماء المتقدّمين ومنهم شارح الطحاوية تبعاً لغيره". (12)
فقول لا نكفر أحد بذنب ما لم يستحل من أصول الجهمية وليست من السنة في شيء!
الوجه الثالث: أن الكفر ضد الإيمان، وإذ أن الإيمان شرعًا قول وعمل واعتقاد؛ فكذلك الكفر يكون بالقول أو العمل أو الإعتقاد، وهذا مما أجمع عليه أهل السنه خلافًا للمرجئه الذين حصروا الكفر في التكذيب، او الجحود بالقلب، أو الجحود بالقلب أو اللسان، على اختلاف فرقهم.
يقول ابن حزم رحمه الله في تعريف الكفر شرعًا: "وهو في الدين صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه أو بلسانه دون قلبه أو بهما معا أو عمل جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان". (13)
وقال الإمام النووي رحمه الله في تعريف الرِّدَّة:
"هي قطع الإسلام ، ويحصل ذلك تارةً بالقول الذي هو كفرٌ ، وتارةً بالفعل ، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمُّد واستهزاءٍ بالدِّين صريحٌ ، كالسُّجود للصَّنم أو للشمس ، وإلقاء المصحف في القاذورات . والسِّحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها ، قال الإمام : في بعض التعاليق عن شيخي أَنَّ الفعل بمجرَّده لا يكون كفراً ، قال: وهذا زَلَل عظيم من المعلِّق ذكرته للتَّنبيه على غلَطِه ، وتحصل الرِّدَّة بالقول الذي هو كفرٌ، سواء صدر عن اعتقادٍ أو عِنادٍ أو استهزاء". (14)
فالكفر يكون بالفعل أو القول أو الإعتقاد،ودليل ذلك من كتاب الله قوله تعالى في من استهزأ بدينه ورسوله
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [التوبة: 65-66]
يقول شيخ الإسلام رحمه الله:
"
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} فاعترفوا واعتذروا ؛ ولهذا قيل:
{لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرا وكان كفرا كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه". (15)
فحكم الله جل وعلا عليهم بالكفر بمجرد القول من غير استحلال، ومن غير قصد الكفر!
وقال تعالى:
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]
قال إسحاق بن راهويه رحمه الله: "واجتمع أهل العلم على أن إبليس إنما ترك السجود لآدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان في نفسه خيرا من آدم عليه السلام فاستكبر عن السجود لآدم فقال:
{أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] . فالنار أقوى من الطين فلم يشك إبليس في أن الله قد أمره ولا جحد السجود، فصار كافرا بتركه أمر الله تعالى واستنكافه أن يذل لآدم بالسجود له، ولم يكن تركه استنكافا عن الله تعالى ولا جحودا منه لأمره". (16)
فكفر ابليس كان كفر اباء واستكبار ولم يكن جحود واستحلال.
وعلى هذا كان السلف رحمهم الله، روى عبد الله بن أحمد في السنه عن معقل بن عبيد الله قال قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه. قال: فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً …قال فجلست إلى نافع - بن عبد الله مولى ابن عمر - فقلت له … إِنَّهم يقولون : نحن نقرُّ بأَنَّ الصّلاة فريضةٌ ولا نصلي، وأَنَّ الخمر حرامٌ ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرامٌ ونحن نفعل. قال: فنتر يده من يدي ثم قال "من فعل هذا فهو كافر". (17)
وقال عبد الله بن أحمد حدَّثنا سويد بن سعيد الهرويّ قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء، فقال: "يقولون الإيمان قولٌ وعملٌ، والمرجئة أوجبوا الجنَّة لمن شهد أَنَّ لا إله إلا الله مصـرا بقلبه على ترك الفرائض وسمُّوا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء لأَنَّ ركوب المحارم من غير استحلالٍ معصية، وترك الفرائض متعمِّداً من غير جهل ولا عذر هو كفر". (18)
قلت وهذا من كفر الإباء والإعراض عن كل ما أوجب الله ، والترك فعل وليس اعتقاد.
وقال الإمام الحميدي رحمه الله "وأخبرت أن قوما يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين، قال الله جل وعز:
{حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]".
قال حنبل: قال أبو عبد الله - أحمد بن حنبل - أو سمعته يقول: "من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول ما جاء به". (19)
وقال ابن حزم رحمه الله "الله تعالى قال
{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [التوبة: 74] فنص تعالى على أن من الكلام ما هو كفر، وقال تعالى
{إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} [النساء: 140] فنص تعالى أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع، وقال تعالى
{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر فخرج عن الإيمان ولم يقل تعالى في ذلك أني علمت أن في قلوبكم كفرا، بل جعلهم كفارا بنفس الاستهزاء ومن ادعى غير هذا فقد قول الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى". (20)
وقال أيضًا: "الجحد لشيء مما صح البرهان أنه لا إيمان إلا بتصديقه كُفر، والنطق بشيء من كل ما قام البرهان أن النطق به كُفر؛ كُفر، والعمل بشيء مما قام البرهان بأنه كُفر؛ كُفر، فالكفر يزيد وكلما زاد فيه فهو كفر، والكفر ينقص وكله مع ذلك ما بقي منه وما نقص فكله كفر وبعض الكفر أعظم وأشد وأشنع من بعض وكله كفر". (21)
وقال ابن القيم رحمه الله: "الإيمان قسمان قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان قولية وفعلية، ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية فكما يكفر بالأتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكف؛ر فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف فهذا اصل". (22)
فصح أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الإعتقاد، أو بهم جميعًا فيكون زيادة في الكفر.
الوجه الرابع: أن حديث أنس المحتج به ضعيف جدًا أخرجه، أبو عبيد القاسم بن سلام في الإيمان (ص47)، وسعيد بن منصور في السنن (2367) كلاهما نا أبو معاوية قال حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي نشبة، عن أنس بن مالك به.
وأخرجه أبو داود في سننه (2532)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (18480) وفي القضاء والقدر (196)، عن سعيد بن منصور نا أبو معاوية به.
وأخرجه أبو يعلى في المسند (4311)، واللالكائي في شرح أصول الإعتقاد (2301) من طرق عن أبي معاوية، به.
قلت: تفرد به يزيد بن أبي نشبة عن أنس رضي الله عنه، وهو مجهول لم يرو إلا هذا الحديث ولم يروه عنه إلا جعفر بن برقان.
وتفرد به عن جعفر، أبو معاوية وهو محمد بن خازم التميمي.
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: "أبو معاومة الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا". (23)
وقال ابن نمير: "كان أبو معاوية لا يضبط شيئا من حديثه ضبطه لحديث الأعمش، كان يضطرب في غيره اضطرابا شديدا". (24)
وقال العجلى: "كوفى ثقة، و كان يرى الإرجاء، و كان لين القول". (25)
وقال ابن سعد: "كان ثقة، كثير الحديث، يدلس، و كان مرجئا". (26)
وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي "أبو معاوية مرجىء". (27)
وقال ابن البادش: "أبو معاوية مرجئ كبير". (28)
وقال الآجري سمعت أبي داود يقول: "أبو معاوية رئيس المرجئة بالكوفة". (29)
فأبو معاوية وثق في حديث الأعمش وضعف في غيره، غير أنه من رؤوس المرجئة وكان داعية إرجاء (30)، وتفرد بحديث يؤيد بدعته، وهذه علة قادحة أخرى غير تفرد بن أبي نشبة وهو مجهول!
وعلى فرض صحته فيفهم وفق ما بيناه من كتاب الله وفهم السلف رحمهم الله، ليس وفق أهواء مرجئة العصر!
الوجه الخامس: إذ تبين أن من الأعمال والأقوال ما يكون كفر مخرج من الملة بذات الفعل أو القول، فاعلم أنه لم يَشترط الإستحلال لكفر من أتى بمثل هذه الأعمال أو الأقوال إلا أهل الإرجاء، ونمثل لذلك بسب النبي صلى الله عليه وسلم:
يقول ابن تيميه رحمه الله: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل". (31)
وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد من أهل العلم، منهم:
1- الإمام اسحاق بن راهويه؛ قال رحمه الله: "وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا أنزله الله أو قتل نبيا من أنبياء الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر". (32)
2- محمد بن سحنون الفقيه المالكي؛ قال: "أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر". (33)
3- ابن المنذر وأبو بكر الفرسي، قال ابن حجر في الفتح: "نقل بن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم مما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء". (34)
فإجماع أهل السنة القائلين أن الإيمان قول وعمل أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم سبًا صريحًا فهو يكفر بمجرد السب سواء كان مستحلا له أو غير مستحل.
وخالفت المرجئة في ذلك بكل فرقهم على اختلاف بينهم، لكن الذي يهمنا الأن مذهب مرجئة المتكلمين لمشابهتم لمرجئة العصر، قالوا:
أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم يكفر كفرًا أكبر مخرج من الملة، ولكن ليس لذات الفعل إنما هذا الفعل دليل على استحلاله له، فأرجعوا كفره إلى أصلهم الفاسد أنه لا كفر إلا بالإستحلال والجحود، ومثل ذلك من يقول أن من كَفَّرَ الحاكم بغير ما أنزل الله من العلماء إنما لقيام دليل عنده أنه استحل ذلك، وليس لأن الفعل بذاته مكفر!
وقد رد عليهم ابن تيمية قولهم الفاسد هذا في أكثر من موضع، فقال رحمه الله في الصارم:
"وهذا موضع لا بد من تحريره ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة، ويرحم الله القاضي أبا يعلي قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا وإنما وقع من وقع في هذه المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح"
ثم قال "وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في هذا الأصل وإنما الغرض البينة على ما يختص هذه المسألة وذلك من وجوه.
أحدها: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلا كفر وإلا فلا، ليس لها أصل وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن الفقهاء وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريا في أصولهم أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعد قوله قولا، وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء وحكاية إجماعهم ممن هو أعلم الناس بمذاهبهم فلا يظن ظان أن في المسألة خلافا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد وإنما ذلك غلط لا يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة.
الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السب حلال، فإنه لما اعتقد أن ما حرمه الله تعالى حلال كَفَر ولا ريب، لأن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كَفَر، لكن لا فرق في ذلك بين سب النبي وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أن الله حرمها، فإنه من فعل شيئا من ذلك مستحلا كفر مع أنه لا يجوز أن يقال: من قذف مسلما أو اغتابه كفر ويعنى بذلك إذا استحله.
الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب كفر سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن فإذا لا أثر للسب في التكفير وجودا وعدما وإنما المؤثر هو الاعتقاد وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.
الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل فيجب أن لا يكفر لا سيما إذا قال: "أنا اعتقد أن هذا حرام وإنما أقول غيظا وسفها أو عبثا أو لعبا" كما قال المنافقون: {إِنَّمَاكُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَب} كما إذا قال: إنما قذفت هذا أو كذبت عليه لعبا وعبثا فإن قيل لا يكونون كفارا فهو خلاف نص القرآن وإن قيل يكونون كفارا فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب مكفرا وقول القائل أنا لا أصدقه في هذا لا يستقيم فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل فإذا كان قد قال: "أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله" فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرا؟ ولهذا قال سبحانه وتعالى: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب.
وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها فالدليل على ذلك....." (35) ثم ذكر أدلة كفر من سب النبي.
فتأمل رد شيخ الإسلام رحمه الله، كلام يكتب بماء الذهب في تقرير عقيدة السلف، وكل ما ذكره ينطبق على مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، والوجوه التي دفع بها رد شرط الإستحلال في سب النبي ندفع بها أيضًا شرط الإستحلال في الحكم بغير ما أنزل الله.
الوجه السادس: إذ تقرر أن من الأفعال ما هو كفر بذاته ولم يشترط فيها الإستحلال إلا المرجئة، فقد سبق أن التشريع العام والتبديل المطلق للشريعة من هذا القبيل، قال العثيمين رحمه الله "إن الحكم بما أنزل الله -تعالى- من توحيد الربوبية، لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في ما أنزل الله أرباباً لمتبعيهم، فقال سبحانه
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] فسمى الله تعالى المتبوعين أرباباً حيث جعلوا مشرعين مع الله تعالى، وسمى المتبعين عباداً حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى". (36)
وقال رحمه الله "من الشرك بالربوبية أن يتخذ الإنسان أندادا يشرعون تشريعات تخالف شرع الله، فيوافقهم فيها مع علمه بمخالفتها للشريعة، ولهذا ترجم الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله - ترجم على ذلك في كتاب التوحيد بقوله: (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا) فإذا وجد قوم يتبعون القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية مع علمهم بمخالفتها للشريعة فإننا نقول: هؤلاء قوم مشركون لأنهم اتخذوا حاكما يحكم بين الخلق غير الله -عز وجل- ومن المعلوم أن الحكم بين الخلق من مقتضيات الربوبية فقد اتخذوهم أربابا من دون الله". (37)
فجعل الحكم بغير ما أنزل الله من شرك الربوبية وسبق أن ما صح من الأعمال أنه شرك أجمع أهل السنة والجماعة أن من أتى به خرج بالكلية من دين الإسلام ولم يشترط الإستحلال إلا أهل الإرجاء.
وقد نقل الإجماع على كفر حكم بغير ما انزل الله جمع من أهل العلم منهم:
شيخ الإسلام رحمه الله قال:
"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء". (38)
ويقول أيضًا رحمه الله: "ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى". (39)
وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر عدة أحكام من الياسق:
"وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى " الياساق " وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى:
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] وقال تعالى:
{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65]". (40)
وقد أكثرت النقل عن أهل العلم سلفًا وخلفًا في تقرير هذه المسألة في القسم الثاني من المبحث الثالث
(هنا)، بما يغني عن الإعادة هنا، فيرجع إليه لزامًا.
الوجه السابع: ثبت أن الحكم بالشريعة والتحاكم إليها من أصل الإيمان ولوازمه لقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 60-65].
قال ابن القيم رحمه الله: "أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم وأن عاقبته أحسن عاقبة ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه". (41)
وما كان من أصل الإيمان ولوازمه بفقدانه يُقطع الإيمان، ويخرج بذلك المرء من الإسلام ولا يُشترط استحلال في ذلك.
وقد أكثرت أيضًا من النقل عن أهل العلم وإجماعهم على أن الحكم بالشريعة والتحاكم إليها من أصل الإيمان في القسم الثالث من المبحث الثالث
(هنا)، فيرجع إليه لزامًا.
الوجه الثامن: أن من شَرَّع خلاف ما أنزل الله فقد أحل وحرم من دون الله، وقد نقلت عن المستشار علي جريشة وهو من أهل الشأن (42)، قوله " فالتحريم والتحليل - اللذان أشارت إلهما الآيات الكريمة يتخذ صورة العدول أو التعديل ، فمن عدل عن تحريم الخمر إلى إباحتها فقد أحل ما حرم الله ، ووقع في الكفر والشرك ، وكما يكون العدول صريحا، بأن قال عن الحرام حلال . فإنه يكون كذلك ضمنيا بتغيير وصف الحكم من الحرام إلى الحلال، ففي مثل الخمر جاء تحريمها بالنص والاجماع، فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من العقاب فقد غيرت وصف الحكم وجعلته مباحا، والمباح أحد أقسام الحلال ، ومن ثم فإنها تكون بذلك قد أحلت ما حرم الله.
كذلك الزنا حرمته الشريعة بالنص والإجماع فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من النص على العقاب عليه ولو في بعض الأحوال .فإنها تكون قد أباحته في هذه الحالات أي تكون قد أحلت ما حرم الله .
هذه صور من العدول.
أما صور التعديل: فإن الحكم يبقي على وصفه الأصلى فلا ينقلب من الحرام إلى الحلال ولكن مثلا يجري التعديل في العقوبة التي وضعها الله سبحانه وتعالى للفعل كأن يحتفظ النص الوضعي بتحريم الفعل وتجريمه ولكنه يعدل في العقوبة المقررة له شرعا فيجعلها الحبس بدلا من الجلد أو الرجم، ويمكن أن يقال إن مثل تلك النصوص الوضعية التي تتضمن تعديلا في الحكم الشرعي تتضمن كذلك عدولا فإن وضع عقوبة مكان أخري عدول عن العقوبة الأصلية التي شرعها الشارع الحكيم علاجا للداء، وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير !!
وعلى ذلك فالعدول والتعديل هو من قبيل التحليل والتحريم الذي دمغه القرآن بالكفر والشرك". (42)
الوجه التاسع: أن أحبار ورهبان أهل الكتاب الذين أنزل الله فيهم
{اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] إنما كفروا بمجرد تشريع ما يخالف حكم الله، ولم يكفروا لأنهم استحلوا - الإستحلال القلبي - التشريع بخلاف ما أنزل الله، أو أنهم اعتقدوا أن لهم حق في الربوبية أو الألوهية، أو أنهم نسبوا تشريعاتهم لله وأنها من عند الله، إنما كفروا وسماهم الله أربًابًا عند متبوعيهم بمجرد تشريع أحكام تخالف ما أنزل الله ودليل ذلك سبب نزول قوله تعالى
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] فقد سبق في المبحث الثاني أن سبب نزولها ما أخرجه مسلم عن البراء بن عازب أنه قال قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟"، قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم" قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] إلى قوله
{إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41]، يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} في الكفار كلها.
والشاهد أن أحبار اليهود عندما بدلوا حد الزنا واصطلحوا واجتمعوا على حكم غيره، لم يزعموا أن هذا الحكم هو حكم الله أو أنه أفضل منه أو أعدل، ودليل ذلك أنه بعد ما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أحد أحبارهم "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم" " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، والجلد مكان الرجم" وكذلك لم يعتقدوا حل ما فعلوه من اجتماعهم على تغير حكم الله بل كانوا متأثمين يبحثون عن مخرج فقهي لفعلتهم ولذلك قالوا ": ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا" وفي رواية "إن أفتاكم بالجلد والتحميم كان لكم حجة عند الله" فهم يقرون بحكم الله، ويعلمون جرم ما فعلوه يقول ابن جرير رحمه الله:
"وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم , فيرضون بك حكما بينهم , وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى , التي يقرون بها أنها حق وأنها كتابي الذي أنزلته على نبيي , وأن ما فيه من حكم فمن حكمي , يعلمون ذلك لا يتناكرونه , ولا يتدافعونه , ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم , وهم مع علمهم بذلك {يتولون} [المائدة: 43] يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة علي وعصيانا لي" (44)
فالشاهد أن أحبار اليهود لم يعتقدوا حل التشريع من دون الله، ولم ينكروا حكم الله، ولم يدفعوه، ولم ينسبوا حكمهم إلى الله، ولم يعتقدوا أن حكمهم أفضل من حكم الله أو يعدله أو أعدل منه، ومع ذلك كفرهم الله جل وعلا بمجرد الإجتماع والتواطئ على تغير حكم واحد فقط من أحكام الله جل وعلا! وسماهم أربابا عند متبعيهم!
فكيف بالكفرة الفجرة الذين يجتمعون لتغير كل أحكام الله جل وعلا والتعديل عليها وإلزام الناس بها وعقاب من يخرج عنها، فأباحوا الردة تحت حرية العقيدة وأباحوا الخمر والزنا والربا تحت الحرية الشخصية وجعلوا السيادة للشعب لا لله جل وعلا، وأعطوا سلطة التشريع لأغلبية الشعب لا للكتاب و السنة، وأباحوا التحاكم لقوانينهم الطاغوتية وجعلوها فوق أحكام الله ورسوله!!
فمثل هؤلاء "لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم". (45)
الوجه العاشر: إذ تبين ما سبق تقريره، فمناط تكفير المشرع تشريعًا عامًا يخالف ما أنزل الله، أن الفعل بذاته مكفر مخرج من الملة لأن الحكم بشرع الله من أصل توحيد الربوبية، كذلك من أصل الإيمان ولوازمه، فإن اجتمع مع الفعل استحلال أو تفضيل للقوانين الوضعية أو اعراض واستكبار أو كره لما انزل الله، كان ذلك كفر فوق كفر، فالكفر درجات كما قال تعالى {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] "فالكفر يزيد وكلما زاد فيه فهو كفر، والكفر ينقص وكله مع ذلك ما بقي منه وما نقص فكله كفر وبعض الكفر أعظم وأشد وأشنع من بعض وكله كفر". (46)
ــــــــــــــ
(1) إسناده صحيح، أخرجه أحمد في المسند (290/4) قال حدثنا وكيع، حدثنا حسن بن صالح، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال: لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه، أو أقتله، وآخذ ماله ".
وله شاهد صحيح من حديث معاوية بن قرة، أخرجه النسائي في الكبرى (7186)، وابن ماجه في سننه (2608)، والطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (569/1)، من طرق عن عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه، فضرب عنقه وخمس ماله" واللفظ للنسائي.
وللحديث طرق أخرى لا يسع المقام لذكرها الأن.
(2) تهذيب الأثار مسند ابن عباس (571/1).
(3) شرح معاني الأثار (149/3-150).
(4) كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (130/2).
(5) فتح الباري (118/12).
(6) مرقاة المفاتيح (2082/5).
(7) نيل الأوطار (137/7).
(8) عون المعبود شرح سنن أبي داود مع حاشية ابن القيم، دار الكتب العلمية (96/12).
(9) شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، ت.شاكر (ص297).
(10) انظر التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية (139-140).
(11) شرح العقيدة الطحاوية، عبد الرحمن البراك، (ص214).
(12) شرح العقيدة الطحاوية، صالح آل الشيخ (526/1).
(13) الإحكام في أصول الأحكام (49/1-50).
(14) روضة الطالبين (283/7-284).
(15) مجموع الفتاوى (273/7).
(16) تعظيم قدر الصلاة (929/2).
(17) انظر السنه لعبد الله بن أحمد (282/1-283).
(18) المصدر السابق (347/1-348).
(19) السنه للخلال (586/3-587)، وانظر شرح أصول الإعتقاد للالكائي (956/5-957).
(20) الفصل في الملل والنحل (114/3).
(21) المصدر السابق (119/3).
(22) الصلاة وحكم تاركها (ص70).
(23) العلل ومعرفة الرجال، رواية عبد الله (378/1، 726).
(24) تاريخ بغداد (305/2).
(25) الثقات، للعجلي (403/1، 1450).
(26) الطبقات الكبرى (392/6).
(27) العلل ومعرفة الرجال (538/2، 3552).
(28) تاريخ بغداد (304/2).
(29) سؤالات الآجري لأبي داود (ص160، 145).
(30) انظر تاريخ بغداد (304/2).
(31) الصارم المسلول (ص514).
(32) نقله عنه ابن عبد البر في التمهيد (226/4)، وبنحوه في تعظيم قدر الصلاة (929/2).
(33) انظر كتاب الشفا، للقاضي عياض (312/2).
(34) فتح الباري (281/21).
(35) الصارم المسلول (515-517).
(36) فتاوى أركان الإسلام (ص143).
(37) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (285/7).
(38) مجموع الفتاوى (267/3).
(39) المصدر السابق (106/8).
(40) البداية والنهاية (162/17).
(41) إعلام الموقعين (50/1).
(42) ولد عام 1935 بالشرقية إحدى المدن المصرية، تخرج من كلية الحقوق وعمل وكيلا للنائب العام، ثم عمل في مجلس الدولة لمدة أربع سنوات، ثم اعتقل لمدة ثمان سنوات سافر بعدها إلى السعودية ليعمل استاذًا للشريعة بالجامعة الإسلامية.
(43) انظر كتابه المشروعية الإسلامية العليا (ص 43).
(44) تفسير الطبري (447/8).
(45) أضواء البيان (259/3).
(46) الفصل في الملل والنحل (119/3).