الزميل الكريم.. تحية طيبة..
لا يمكنك الاستشهاد يالآيات لأن الطرف الآخر لا يوقن بأنها حصلت.. إنك تؤمن بها إيماناً، بينما يفترض بك أن تثبت لتسند حديثك.
أن نظرية التطور لا يمكن هدمها بالتنظير.. إنها نظرية تجريبية، وليست نظرية في علم الكلام.
حول الإشارة الأولى:
لا فرق وظيفي بين العين والكاميرا، ولكن كل منهما مصنوعة تبعاً للضرورات المتوفرة، وكما أن الإنسان قد صنع أنواع الكاميرات حسب الإمكانات المتوفرة، كذلك صنعت الكائنات الحية تبعاً لإمكاناتها (الضرورات) كاميراتها الخاصة، فذاك الكائن طوّر عيناً، وذلك الخفاش أو الحوت طوّر عيناً رادارية، وتلك الحشرة طوّرت عيناً مركبة، وذاك القرش طوّر عيوناً كهربائية.. فهنالك عدد متنوع من أنواع الرؤية لدى الكائنات، مثلاً الرؤية بالموجات من كل الأنواع.. إلخ.
لا يعقل أن تطوّرالكائنات الحية عيناً من غير المتوفر لديها، ولا البشر، ولذلك اتخذ كل نمط التصنيع ومستوى التطور الخاص به.
القضية الأساسية هو أن كل يصنع أداته تبعاً للإمكانات المتوفرة، أي للضرورات.. أما لماذا اتخذت العين الحية هذا الشكل، ولم اتخدت العين الصناعية (الكاميرا) ذاك الشكل، فلنفس الأسباب: الضرورات الممكنة.
وهذا ينطبق على كل الوظائف الحيوية الأخرى لدى الكائنات والصناعية لدى البشر، إن الفرق هو فرق في نوع الإمكانية.. وفي المستقبل نتيجة تطور العلم سوف يمتلك الإنسان نفس إمكانات قريبة للكائنات الحية، وقد يصير قادراً على صنع العين الطبيعية أو مثيلتها.
أكبر خطأ يقع فيه من لا يوقن بالتطور (من كل نوع، طبيعي أم علمي أم اجتماعي) أنه لا ينتبه لفعل الضرورات، التي تكره الكائنات الحية على (تطور) والجمادات على (تغير).. موجّهين بالضرورات.
إن قدرةالإنسان البدائية حالياً ، والخطيرة مستقبلاً، على تقليد العين مثلاً دليل على أن العين الحية طبيعية، أقصد: مادية، بمعنى أنها ليست من مصدر خارج على الوجود.. ومن جهة أخرى فإن الطبيعة المادية للعين الحية (تركيبها الذري) لا يدل على أنها خارج المادة، فلو كان مصدرها غير مادي لحملت خصائص غير مادية، ولا يستطيع أحد حتى الآن الزعم بأن هنالك قوى لا مادية في العين (كالروح) لأنه ليس من إثبات ولا معرفة كنه هذه المدعوة.
إن الدعوى التي تزعم مصدراً خارجيا لوجود العين (الحياة) لا تعتمد إلا على (عدم المعرفة) بمنشئها.
بالنسبة للإشارة الثانية:
نسيت حضرتك أن هنالك كتالوج مع كل كائن حي مكتوب فيه (كل خصائص الجهاز وأفضل وسيلة لاستخدامه وترهيب من الذى يفسده وترغيب فيما يحافظ عليه لأن الوظائف القائمة فى الكائنات الحية يصاحبها علم من الكائن الحى بأفضل طريقة للاستخدام وبعد عن المهالك والمفسدات) حسب قولك وهو الشريط الوراثي.
أما قولك هو أنها لا يمكن أن تكون مكتسبة، فإن الإشارة الأولى تنقضه مباشرة عكس ما تقول، لأن مبدأ الضرورة الذي نعيشه جميعاً يبين أن كل ما لدينا مكتسب بحكمها، وهذا ينقض إشارتك الثانية أيضاً.
إن المشكلة في تجاهل دور الضرورة في تغير المادة، وتطور الكائنات الحية (الذي هو نمط خاص من تغير المادة).
وبالنسبة للإشارة الثالثة:
فإنها تسقط مباشرة بسبب سقوط الأوليين.
إذا عرف السبب بطل العجب.. ولعدم معرفتنا بقدرات المادة الحية على التطور (المفروض عليها فرضاً كي تستمر) نعتقد أنه يستحيل على الطبيعة الحية تطوير ذاتها.
ما هو الخطأ في القول بأن اليمامات بنية اللون تفنى في بيئة صحراوية فاتحة اللون، لأنها مكشوفة لأعدائها، بينما تستمر اليمامات قمحية اللون لأنها مموهة ببيئتها؟.. هذا انتخاب طبيعي، وهو لا يسمح إلا ببقاء الكائن المتأقلم مع ضرورات الوسط.
إن تراكم التغييرات عبر الزمن، بالطفرات والتزاوجات الجينية غير السوية والصطفاء الطبيعي والعزلة الجغرافية.. سيؤدي بـ (الضرورة) إلى نشوء كائنات جديدة أقرب إلى آبائها وأبعد عن أجدادها.. وهكذا.
لذلك نرى (كل المخلوقات على الهيئة المناسبة لها وفى الموضع المناسب لها) حسب قولك
لماذا نرى ( أى انها ليست أضعف مما ينبغى أن تكون عليه لتؤدى وظيفتها وليست أقوى مما ينبغى أن تكون عليه لتؤدى وظيفتها)؟؟؟
هذا لأنها مصطفاة بالانتخاب الطبيعي، فالضعيفة تموت، والقوية تموت بتدميرها مصادر غذائها، ويبقى الأصلح.
وكل كائن (صاحب الصفات الأقوى مما ينبغى.... أن وجوده يضر وجود غيره ويحدث خللا فى التوازن البيولوجى) حسب قولك ينقرض (انتخاب طبيعي) لأنه يحدث خللاً.. مثلاً إذا ظهر ذئب يملك من القوة بحيث قضى على معظم الخرفان، فإنه يموت من الجوع، ولذلك لا تبقى إلا الذئاب التي ينطبق عليها المثل الشهير: لايموت الذيب ولا تفنى الغنم.. أليس هذا المثل أكبر دليل على الحس الشعبي بالانتخاب الطبيعي؟..
وجواباً على سؤالك: (لماذا لم نرى المخلوقات التى أتت أضعف أو أقوى مما ينبغى أيضا) يصير الأمر هو أنهما كلاهما غير مناسبين للوسط فينقرضان.
أما في قولك:
والاجابة من هذه الآية (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ )فبقاء النظام العام وقيامه دليل على أن كل شيء وضع فى موضعه ولم يأتى أضعف مما ينبغى ولا أقوى مما ينبغى لأن فى الحالتين ينهدم النظام فكان قيام النظام نفسه هو الدليل فمثلا نسأل :
لماذا لم نرى النسور والصقور تبيض عدد بيض الذباب والجراد ؟؟؟
فالجواب هو أن النظام لا يقاس بالأقوى، إن الأقوى من وجهة نظر الطبيعة هو الأصلح والأنسب وليس الأكثر عضلاتاً، فالصرصار أقوى من الفيل على العيش في كهوف قليلة الأوكسجين، وهذا نظام: هو أن كل كائن حي متناسب مع بيئته وإلا فالانقراض مصيره كما حدث لكثير من الحيوانات القديمة.
إن القوة أو الضعف ليستا معياراً للبقاء، فقد يستمر النمل الضعيف في العيش (بقوة) أكثر من أشد الدناصير التي فشلت بالتأقلم مع ظروف جديدة للبيئة.
وسبب تراجع عدد البيض هو أن مستوى تطور الكائن يكافئ عدد البيض، فكلما كان الكائن أكثر تطوراً تناقص نسله بسبب قدرته على التكاثر بالعدد القليل، وبسبب أن كثرته تقضي على مصدر عيشه.
فإن كثرت النسور نقصت فرائسها وماتت، وإن كثرت الذباب لم تمت رغم كثرة أعدائها، ولذلك كثر بيضها حفاظاً على استمرارها.. ولو كثر بيض النسر لفشل في حضانتها لأنه كلما تطور الكائن الحي تطورت معه عملية التربية من أجل حفظ النوع بالعدد القليل، في حين أن كثرة التعداد تعود إلى نقصان التربية كما هي لدى الأسماك مثلاً..
إن قدرة المفترس على حماية مواليده أكبر من قدرة الفريسة على حماية مواليدها، (هذا كلام نسبي، ولكنه غالب) ولذلك تكثر مواليد الفرائس (غالباً) وتقل مواليد المفترس.
والقصد من (غالباً) و(نسبي) هو أن الفرائس التي طورت قدرات على الدفاع عن نفسها قد تقل مواليدها كالبقر الوحشي الذي يعوض عن كثرة المواليد بكثرة التجمع، وقدرة العجل على الركض بسرعة بعد الولادة.. مثلاً.
البحث عن أسباب الظاهرة يعدم الشكوك، وما علينا إلا تشغيل المخ لمعرفتها، فلكل ظاهرة في الطبيعة أسبابها، وما التساؤل بقصد التشكيك إلا إقرار غير مباشر بعدم المعرفة، لا يسقط نظرية التطور، بل يسقط عرفانية السائل.
لذلك لا يستطيع الزميل أن يرى طبيعة النظام المتحولة، فهو ينظر إلى النظام في الطبيعة نظرته إلى صورة، لا إلى عرض متغير..
النظام في الطبيعة ليس ثابتاً حتى يقول الزميل: (فما هو تفسير أن كل النظام الحالى الذى نراه امامنا لم يأتى فيه شيء واحد اقوى مما ينبغى وان الصدفة انحصرت فى ما هو أضعف مما ينبغى)..
إن النظام يتحدد بضرورات البيئة لا بالصدف كما يتهم التطوريين أو الملحدين، وإن المؤمنين هم أكثر من ينشر الفكرة الخاطئة عن دور المصادفات في النشوء والارتقاء، متجاهلين دور الضرورات المحيطية.. ولذلك بما أن ظروف البيئة (الضرورات) متغير بتغير ظواهر الوجود، فالنظام البيئي متغير بتغيره، ويستقر في النهاية على دورة حياة تناسب الوسط ندعوها النظام.
إن النظام البيئي ليس خالداً كما يتوهم الزميل، بل هو متغير ومتطور مثله مثل الكائنات التي تنشئه.. لذلك يصير قوله (هذه هى المفارقة التى تبين استحالة فرضية التطور) .. نافلاً.
إن مقولة (الكائن القوى مما ينبغي) التي تتأسس عليها محاججة الزميل ليس إلا وهماً نظرياً بعيد عن طبيعة ما يحدث.. فسواء أكان الكائن قوياً أكثر مما ينبغي، أم ضعيفاً أكثر مما ينبغي، أو قوياً أو ضعيفاً.. الخ.. فالجميع يخضع لضرورات البيئة ويتأقلم مع الوسط أو ينقرض.. وينشأ نظام ما تحدده عناصر وظواهر البيئةالمتوفرة.. إذ لن يستطيع الديناصور مهما عظمت قوته أن يتأقلم مع العصر الجليدي لأنه عاجز عن تدفئة نفسه، بينما استمرت بقية الزواحف ذوات الدم البارد صغيرة الحجم مثلاً بفضل التأقلم بواسطة البيات الشتوي، والقدرة على حفر الأنفاق. وياتي انقراض الدناصير لعدم القدرة على التأقلم (رغم أنه اأقوى مما ينبغي) ليبين دور الانتخاب الطبيعي في الإبقاء على الأنسب والأصلح للوسط.
من هنا تصير ملاحظة الزميل (لا معنى لكل الأبحاث التى تثبت وجود آليات التطور (الطفرات والإنتخاب الطبيعى) لأن المفارقة ليست قائمة على عدم ثبوت تلك الآليات وإنما على فرض ثبوتها فعلا) تجاهلاً لحقائق واضحة، من جهة، وعدم معرفة بآليات التطور من جهة أخرى... وعدم رغبة في تشغيل الفكر في أطروحات التطور.
أخيراً فإن الزميل قد أتى بمثال على الخلية السرطانية التي هي طفرة(أقوى مما ينبغي) ليثبت مقولاته، بينما يثبت مثاله على العكس على دور الانتخاب الطبيعي في حذف الكائن الشاذ عن النظام الطبيعي المرحلي السائد.
إن الرغبة الدفينة في أن يكون المرء على حق قد تدفع البعض إلى محاولة الجمع بين أضداد لا يمكن جمعها: العلم والغيب.. أليس الإيمان هو نوع من هذا النمط الفكري؟..
مع كل الاحترام.
|