عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 2013-06-08, 03:47 AM
نمر نمر غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2013-02-26
المكان: بلاد الاسلام بلادي
المشاركات: 918
افتراضي

53 - حكم من سب الدين وقد اشتد به الغضب



س: إذا غضب شخص واشتد به الغضب ، وحصل منه سب للدين ، ما حكمه ؟ وإن كان متزوجا فهل يلحق زوجته شيء ، كأن تفارقه مثلا ، إذا كان الحكم بخروجه عن الإسلام ؟


ج : هذه المسألة عظيمة ، ولها شأن خطير ، سب الدين من أعظم الكبائر ، والنواقض للإسلام ، فإن سب الدين ردة عند جميع أهل العلم ، وهو شر من الاستهزاء ، قال تعالى : (65) ، وكانت جارية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تسب الدين ، فقتلها سيدها لما لم تتب ، فقال صلى الله عليه وسلم :


(الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 147)


ألا اشهدوا أن دمها هدر . فسب الدين يوجب الردة عن الإسلام ، وسب الرسول كذلك يوجب الردة عن الإسلام ، ويكون صاحبه مهدر الدم وماله لبيت المال ، لكونه مرتدا أتى بناقض من نواقض الإسلام ، لكن إذا كان عن شدة غضب واختلال عقل فلها حكم آخر ، فالغضب عند أهل العلم له ثلاث مراتب :

المرتبة الأولى : أن يشتد غضبه حتى يفقد عقله ، وحتى لا يبقى معه تمييز من شدة الغضب ، فهذا حكمه حكم المجانين والمعاتيه ، لا يترتب على كلامه حكم : لا طلاقه ولا سبه ولا غير ذلك ، يكون كالمجنون لا يترتب عليه حكم .


القسم الثاني : دون ذلك ، اشتد معه الغضب ، وغلب عليه الغضب جدا حتى غير فكره وحتى لم يضبط نفسه ، واستولى عليه استيلاء كاملا حتى صار كالمكره والمدفوع الذي لا يستطيع التخلص مما في نفسه ، لكنه دون الأول لم يفقد شعوره بالكلية ، ولم يفقد عقله بالكلية ، لكن مع شدة غضب بأسباب المسابة والمخاصمة والنزاع الذي بينه وبين بعض الناس ، أو بينه وبين أهله ، أو زوجته أو أبيه أو أميره أو غير ذلك ، فهذا اختلف فيه العلماء ، فمنهم من قال : حكمه حكم الصاحي العاقل تنفذ فيه الأحكام ، ويقع طلاقه ويرتد بسبه الدين ، ويحكم بقتله وردته ، ويفرق بينه وبين زوجته ، ومنهم من قال : يلحق بالأول ، الذي

(الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 148)

فقد عقله ؛ لأنه أقرب إليه ، ولأن مثله مدفوع مكره إلى النطق ، لا يستطيع التخلص من ذلك لشدة الغضب ، وهذا القول أظهر وأقرب ، وأن حكمه حكم من فقد عقله في هذا المعنى ، في عدم وقوع طلاقه وفي عدم ردته ، لأنه يشبه بفاقد الشعور ، بسبب شدة غضبه ، واستيلاء سلطان الغضب عليه ، حتى لم يتمكن من التخلص من ذلك ، واحتجوا على هذا بقصة موسى عليه الصلاة والسلام ، فإنه لما وجد قومه على عبادة العجل اشتد غضبه عليهم ، وجاء وألقى الألواح ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه ، من شدة الغضب ، فلم يؤاخذه الله لا بإلقاء الألواح ، ولا بجر أخيه وهو نبي مثله ، من أجل شدة الغضب ، ولو ألقاها تهاونا بها ، وهو يعقل لكان هذا عظيما ، ولو جر النبي بلحيته أو برأسه فآذاه صار كفرا ، هذا إذا جره إنسان ، لكن لما كان موسى في شدة الغضب العظيم ، غضبا لله عز وجل مما جرى من قومه سامحه الله ، ولم يؤاخذه بإلقائه الألواح ، ولا بجر أخيه ، هذه الحجة للذين قالوا : إن طلاق الذي اشتد به الغضب لا يقع ، وهكذا سبه لا تقع به ردة ، وهو قول قوي ظاهر ، وله حجج أخرى كثيرة ، بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والعلامة ابن القيم ، واختارا هذا القول ، وهذا القول أرجح عندي وهو الذي أفتي به ؛ لأن من اشتد غضبه ينغلق عليه قصده ، ويشبه المجنون في تصرفاته وكلامه القبيح ، فهو أقرب إلى المجنون والمعتوه منه إلى العاقل السليم ، هذا القول أظهر وأقوى ، لكن لا مانع من كونه يؤدب إذا فعل شيئا من وجوه الردة من باب الحيطة ، ومن باب

(الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 149)

الحذر من التساهل بهذا الأمر ، ووقوعه مرة أخرى ، إذا أدب من باب الضرب أو السجن أو نحو ذلك ، هذا قد يكون فيه مصلحة كبيرة ، لكن لا يحكم عليه بحكم المرتدين ، من أجل ما أصابه من شدة الغضب التي تشبه حال الجنون ، والله المستعان .
أما المرتبة الثالثة ، القسم الثالث : فهو الغضب العادي الذي لا يزول معه العقل ، ولا يكون معه شدة تضيق عليه الخناق ، وتفقده ضبط نفسه ، بل هو دون ذلك غضب عادي يتكدر ويغضب ، لكنه سليم العقل سليم التصرف ، فهذا عند جميع أهل العلم تقع تصرفاته ، بيعه وشراؤه وطلاقه وغير ذلك ؛ لأن غضبه لا يغير عليه قصده ولا قلبه ، والله أعلم .
رد مع اقتباس