الميزان في تفسير القرآن
سورة المائدة
55 - 56
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)
بيان
الآيتان - كما ترى - موضوعتان بين آيات تنهى عن ولاية أهل الكتاب و الكفار، و لذلك رام جماعة من مفسري القوم إشراكهما مع ما قبلهما و ما بعدهما من حيث السياق، و جعل الجميع ذات سياق واحد يقصد به بيان وظيفة المؤمنين في أمر ولاية الأشخاص ولاية النصرة، و النهي عن ولاية اليهود و النصارى و الكفار، و قصر الولاية في الله سبحانه و رسوله و المؤمنين الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون، و هؤلاء هم المؤمنون حقا فيخرج بذلك المنافقون و الذين في قلوبهم مرض، و يبقى على وجوب الولاية المؤمنون حقا، و تكون الآية دالة على مثل ما يدل عليه مجموع قوله تعالى: «و الله ولي المؤمنين»: «آل عمران - 68»، و قوله تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم»: «الأحزاب: 6»، و قوله تعالى في المؤمنين: «أولئك بعضهم أولياء بعض»: الأنفال: 72»، و قوله تعالى: «و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر» الآية: «التوبة - 71».
فمحصل الآية جعل ولاية النصرة لله و لرسوله و المؤمنين على المؤمنين.
نعم يبقى هناك إشكال الجملة الحالية التي يتعقبها قوله: «و يؤتون الزكاة» و هي قوله: «و هم راكعون»
و يرتفع الإشكال بحمل الركوع على معناه المجازي و هو مطلق الخضوع لله سبحانه أو انحطاط الحال لفقر و نحوه،
و يعود معنى الآية إلى أنه ليس أولياؤكم اليهود و النصارى و المنافقين بل أولياؤكم الله و رسوله و المؤمنون الذين يقيمون الصلاة، و يؤتون الزكاة، و هم في جميع هذه الأحوال خاضعون لساحة الربوبية بالسمع و الطاعة، أو أنهم يؤتون الزكاة و هم فقراء معسرون هذا.
لكن التدبر و استيفاء النظر في الآيتين و ما يحفهما من آيات ثم في أمر السورة يعطي خلاف ما ذكروه، و أول ما يفسد من كلامهم ما ذكروه من أمر وحدة سياق الآيات، و أن غرض الآيات التعرض لأمر ولاية النصرة، و تمييز الحق منها من غير الحق فإن السورة و إن كان من المسلم نزولها في آخر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع لكن من المسلم أيضا أن جميع آياتها لم تنزل دفعة واحدة ففي خلالها آيات لا شبهة في نزولها قبل ذلك، و مضامينها تشهد بذلك، و ما ورد فيها من أسباب النزول يؤيده فليس مجرد وقوع الآية بعد الآية أو قبل الآية يدل على وحدة السياق، و لا أن بعض المناسبة بين آية و آية يدل على نزولهما معا دفعة واحدة أو اتحادهما في السياق.
على أن الآيات السابقة أعني قوله: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض» «إلخ»، تنهى المؤمنين عن ولاية اليهود و النصارى، و تعير المنافقين و الذين في قلوبهم مرض بالمسارعة إليهم و رعاية جانبهم من غير أن يرتبط الكلام بمخاطبة اليهود و النصارى و إسماعهم الحديث بوجه بخلاف الآيات التالية أعني قوله: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا و لعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و الكفار أولياء» «إلخ»، فإنها تنهى عن ولايتهم و تتعرض لحالهم بالأمر بمخاطبتهم ثم يعيرهم بالنفاق و الفسق فالغرض في القبيلين من الآيات السابقة و اللاحقة مختلف، و معه كيف يتحد السياق؟!.
على أنك قد عرفت في البحث عن الآيات السابقة أعني قوله: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء» الآيات أن ولاية النصرة لا تلائم سياقها، و أن خصوصيات الآيات و العقود المأخوذة فيها و خاصة قوله: «بعضهم أولياء بعض» و قوله: «و من يتولهم منكم فإنه منهم» لا تناسبها فإن عقد ولاية النصرة و اشتراطها بين قومين لا يوجب صيرورة أحدهما الآخر و لحوقه به، و لا أنه يصح تعليل النهي عن هذا العقد بأن القوم الفلاني بعضهم أولياء بعض بخلاف عقد ولاية المودة التي توجب الامتزاج النفسي و الروحي بين الطرفين، و تبيح لأحدهما التصرف الروحي و الجسمي في شئون الآخر الحيوية و تقارب الجماعتين في الأخلاق و الأعمال الذي يذهب بالخصائص القومية.
على أنه ليس من الجائز أن يعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليا للمؤمنين بمعنى ولاية النصرة
بخلاف العكس فإن هذه النصرة التي يعتني بأمرها الله سبحانه،
و يذكرها القرآن الكريم في كثير من آياته هي النصرة في الدين و حينئذ يصح أن يقال: إن الدين لله بمعنى أنه جاعله و شارع شرائعه فيندب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المؤمنون أو هما جميعا إلى نصرته أو يدعوا أنصارا لله في ما شرعه من الدين كقوله تعالى: «قال الحواريون نحن أنصار الله»: الصف: 14»، و قوله تعالى: «إن تنصروا الله ينصركم»: «محمد: 7»، و قوله تعالى: «و إذ أخذ الله ميثاق النبيين - إلى أن قال: لتؤمنن به و لتنصرنه»: «آل عمران: 81»، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
و يصح أن يقال: إن الدين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعنى أنه الداعي إليه و المبلغ له مثلا، أو إن الدين لله و لرسوله بمعنى التشريع و الهداية فيدعى الناس إلى النصرة، أو يمدح المؤمنون بالنصرة كقوله تعالى: «و عزروه و نصروه»،: «الأعراف: 175»، و قوله تعالى: «و ينصرون الله و رسوله»: «الحشر: 8»، و قوله تعالى: «و الذين آووا و نصروا»: الأنفال: 72»، إلى غير ذلك من الآيات.
و يصح أن يقال: إن الدين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و للمؤمنين جميعا، بمعنى أنهم المكلفون بشرائعه العاملون به فيذكر أن الله سبحانه وليهم و ناصرهم كقوله تعالى: «و لينصرن الله من ينصره»: «الحج: 40»، و قوله تعالى: «إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد»: «غافر: 51»، و قوله تعالى: «و كان حقا علينا نصر المؤمنين»: «الروم - 47» إلى غير ذلك من الآيات.
لكن لا يصح أن يفرد الدين بوجه للمؤمنين خاصة، و يجعلوا أصلا فيه و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعزل عن ذلك، ثم يعد (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصرا لهم فيما لهم، إذ ما من كرامة دينية إلا هو مشاركهم فيها أحسن مشاركة، و مساهمهم أفضل سهام و لذلك لا نجد القرآن يعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصرا للمؤمنين و لا في آية واحدة، و حاشا ساحة الكلام الإلهي أن يساهل في رعاية أدبه البارع.
و هذا من أقوى الدليل على أن المراد بما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الولاية في القرآن هو ولاية التصرف أو الحب و المودة كقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم»: الأحزاب: 6»، و قوله تعالى: «إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا» الآية، فإن الخطاب للمؤمنين، و لا معنى لعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليا لهم ولاية النصرة كما عرفت.
فقد ظهر أن الآيتين أعني قوله تعالى: «إنما وليكم الله و رسوله» إلى آخر الآيتين لا تشاركان السياق السابق عليهما لو فرض أنه متعرض لحال ولاية النصرة، و لا يغرنك قوله تعالى في آخر الآية الثانية: «فإن حزب الله هم الغالبون»، فإن الغلبة كما تناسب الولاية بمعنى النصرة، كذلك تناسب ولاية التصرف و كذا ولاية المحبة و المودة، و الغلبة الدينية التي هي آخر بغية أهل الدين تتحصل باتصال المؤمنين بالله و رسوله بأي وسيلة تمت و حصلت، و قد قرع الله سبحانه أسماعهم ذلك بصريح وعده حيث قال: «كتب الله لأغلبن أنا و رسلي»: «المجادلة: 21»، و قال: «و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون و إن جندنا لهم الغالبون:» الصافات: 137».
على أن الروايات متكاثرة من طرق الشيعة و أهل السنة على أن الآيتين نازلتان في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لما تصدق بخاتمه و هو في الصلاة، فالآيتان خاصتان غير عامتين، و سيجيء نقل جل ما ورد من الروايات في ذلك في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
و لو صح الإعراض في تفسير آية بالأسباب المأثورة عن مثل هذه الروايات على تكاثرها و تراكمها لم يصح الركون إلى شيء من أسباب النزول المأثورة في شيء من آيات القرآن و هو ظاهر، فلا وجه لحمل الآيتين على إرادة ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بجعلها عامة.
نعم استشكلوا في الروايات - و لم يكن ينبغي أن يستشكل فيها مع ما فيها من الكثرة البالغة -
أولا: بأنها تنافي سياق الآيات الظاهر في ولاية النصرة كما تقدمت الإشارة إليه
و ثانيا: أن لازمها إطلاق الجمع و إرادة الواحد فإن المراد بالذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة «إلخ»، على هذا التقدير هو علي و لا يساعده اللغة،
و ثالثا: أن لازمها كون المراد بالزكاة هو التصدق بالخاتم، و لا يسمى ذلك زكاة.
قالوا: فالمتعين أن تؤخذ الآية عامة، و تكون مسوقة لمثل قصر القلب أو الإفراد فقد كان المنافقون يسارعون إلى ولاية أهل الكتاب و يؤكدونها، فنهى الله عن ذلك و ذكر أن أولياءهم إنما هم الله و رسوله و المؤمنون حقا دون أهل الكتاب و المنافقين.
و لا يبقى إلا مخالفة هذا المعنى لظاهر قوله: «و هم راكعون» و يندفع بحمل الركوع على معناه المجازي، و هو الخضوع لله أو الفقر و رثاثة الحال، هذا ما استشكلوه.
لكن التدبر في الآية و ما يناظرها من الآيات يوجب سقوط الوجوه المذكورة جميعا: أما وقوع الآية في سياق ولاية النصرة، و لزوم حملها على إرادة ذلك فقد عرفت أن الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلا، و لو فرض سرد الآيات السابقة على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض.
و أما حديث لزوم إطلاق الجمع و إرادة الواحد في قوله: «و الذين آمنوا» «إلخ»، فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب تفصيل الجواب عنه، و أنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع و إرادة الواحد و استعماله فيه، و بين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه، ثم لا يكون المصداق الذي يصح أن ينطبق عليه إلا واحدا فردا و اللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات.
و ليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة - إلى أن قال: - تسرون إليهم بالمودة» الآية: «الممتحنة: 1»، و قد صح أن المراد به حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا؟ و قوله تعالى: «يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»: المنافقون: 8، و قد صح أن القائل به عبد الله بن أبي بن سلول؟ و قوله تعالى: «يسألونك ما ذا ينفقون»: البقرة: 251» و السائل عنه واحد؟، و قوله تعالى: «الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية»: البقرة: 247» و قد ورد أن المنفق كان عليا أو أبا بكر؟ إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة.
و أعجب من الجميع قوله تعالى: «يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة» و القائل هو عبد الله بن أبي، على ما رووا في سبب نزوله و تلقوه بالقبول، و الآية واقعة بين الآيات المبحوث عنها نفسها.
فإن قيل: إن هذه الموارد لا تخلو عن أناس كانوا يرون رأيهم أو يرضون بفعالهم فعبر الله تعالى عنهم و عمن يلحق بهم بصيغة الجمع.
قيل: إن محصله جواز ذلك في اللغة لنكتة مجوزة فليجر الآية أعني قوله: «و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون» هذا المجرى، و لتكن النكتة هي الإشارة إلى أن أنواع الكرامات الدينية - و منها الولاية المذكورة في الآية - ليست موقوفة على بعض المؤمنين دون بعض وقفا جزافيا و إنما يتبع التقدم في الإخلاص و العمل لا غير.
على أن جل الناقلين لهذه الأخبار هم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و التابعون المتصلون بهم زمانا و هم من زمرة العرب العرباء الذين لم تفسد لغتهم و لم تختلط ألسنتهم و لو كان هذا النحو من الاستعمال لا تبيحه اللغة و لا يعهده أهلها لم تقبله طباعهم، و لكانوا أحق باستشكاله و الاعتراض عليه، و لم يؤثر من أحد منهم ذلك.
|