قال الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله تعالى - : " أنبه على مسألة مهمة ذكرتها عدة مرات، وهي أن هناك فرقًا ما بين النصيحة والإنكار في الشريعة، وذلك أن الإنكارَ أضيقُ من النصيحة، فالنصيحة اسم عام يشمل أشياء كثيرة، كما مر معنا في حديث «الدَّينُ النَصِيحَةُ» ومنها الإنكار، فالإنكار حال من أحوال النصيحة؛ ولهذا كان مقيدًا بقيود وله ضوابطه، فمن ضوابطه أنّ الإنكار الأصل فيه أن يكون علنًا؛ لقوله (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرا فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ) وهذا بشرط رؤية المنكر، وهنا ندخل في بحث مسألة بحثناها مرارًا، وهي أن الولاة يُنكَر عليهم إذا فعلوا المنكر بأنفسهم، ورآه من فُعِل أمامه ذلك الشيء، وعلى هذا يحمل هدي السلف في ذلك، وكل الأحاديث التي جاءت، وهي كثيرة، أكثر من عشرة، أو اثني عشر حديثًا في هذا الباب، فيها إنكار طائفة من السلف على الأمير، أو على الوالي، كلها على هذا الضابط، وهو أنهم أنكروا شيئًا رَأَوه من الأمير أمامهم، ولم يكن هدي السلف أن ينكروا على الوالي شيئًا أجْرَاه في ولايته؛
ولهذا لما حصل من عثمان - رضي الله عنه - بعض الاجتهادات وقيل لأسامة بن زيد رضي الله عنهما:
ألا تنصح لعثمان؟ ألا ترى إلى ما فعل؟
قال: أما إني بذلته له سرًّا، لا أكون فاتح باب فتنة؛ ففرق السلف في المنكر الذي يُفعل أمام الناس كحال الأمير الذي قدّم خطبة العيد على الصلاة، وكالذي أتى للناس وقد لبس ثوبين، وأحوال كثيرة في هذا، فرقوا ما بين حصول المنكر منه أمام الناس علنا، وما بين ما يجريه في ولايته، فجعلوا ما يجريه في ولايته بابًا من أبواب النصيحة، وما يفعله علنًا يأتي هذا الحديث (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرا فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ) مع الحكمة في ذلك؛ ولهذا قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما : ألا آتي الأمير، فآمره وأنهاه ؟
قال : لا تفعل، فإن كان؛ ففيما بينك وبينه
قال : أرأيت إن أمرني بمعصية ؟
قال : أما إن كان ذاك فعليك إذن .
فدلّ هذا على أن الأمر والنهي المتعلق بالولي إنما يكون فيما بين المرء وبينه، فيما يكون في وِلايته، وأما إذا كان يفعل الشيء أمام الناس، فإن هذا يجب أن ينكر من رآه بحسب القدرة وبحسب القواعد التي تحكم ذلك " ( 23 ) .
|