عرض مشاركة واحدة
  #118  
قديم 2013-07-17, 11:59 AM
نمر نمر غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2013-02-26
المكان: بلاد الاسلام بلادي
المشاركات: 918
افتراضي

قلت – مستعينًا بالله - :
يشرع الدعاء على الظالم حاكمًا كان أو محكومًا؛ لكن هل الكيفية واحدة ؟
وما الذي يعود علينا من وراء الدعاء عليهم على رؤوس الأشهاد إلا زيادة حنق الناس تجاه حكامهم ؟
القياس الخاطئ دائمًا ما كان قاتلًا؛ كمثل استدلال أهل التفجير والقتل على باطلهم بحديث :
( يُخسَفُ بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم )، ولا شك أن أقيسة هؤلاء في الجملة؛ تأتي بعد اعتقادهم قبل الإستدلال، وهذه عادة أهل الأهواء، والله المستعان على حماقاتهم !
السؤال الآن :
هل قياسهم الدعاء على ولاة الأمر على المنابر وفي المحاضرات والمجامع بما حصل من الإمام أحمد صحيح ؟
أولًا : هل دعا الإمام أحمد على منبر أو غيره من المواطن التي يجتمع لها الناس ؟
الجواب : لا، وهذا كما يقال " قياس مع الفارق "؛ فالإمام أحمد جعل يدعو حينما أتاه آتٍ يخبره بقسم المأمون على قتله إن لم يجبه إلى القول بخلق القرآن .
ثانيًا : الفتنة أصبحت عامة، واشتد الأمر جدًّا حتى على عامة الناس
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مجموع الفتاوى :
" فإن الإمام أحمد ـ مثلا ـ قد باشر (‏‏الجهمية)‏ الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات ـ الذين لم يوافقوهم علي التجهم ـ بالضرب والحبس، والقتل والعزل على الولايات، وقطع الأرزاق، ورد الشهادة، وترك تخليصهم من أيدى العدو، بحيث كان كثير من أولى الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم، يكفرون كل من لم يكن جهميًا موافقًا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، يحكمون فيه بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية، ولا يفتكونه من عدو، ولا يعطونه شيئًا من بيت المال، ولا يقبلون له شهادة، ولا فتيا ولا رواية‏.‏ ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة، والافتكاك من الأسر وغير ذلك‏؛‏ فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان، ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ومن كان داعيًا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه " ( 29 ) .
هذا ما جنته عليهم تلك الفتنة المهلكة؛ فهل تجدون هذا يا من تتشدقون بدقة الفهم والنظر ؟!
ثالثًا : الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – إمام أهل السنة، وقد تصدى لفتنة خلق القرآن وليس معه ولا بعده من يقوم مقامه .
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله تعالى - في البداية والنهاية :
" فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب، وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع في ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجُنْدَيْسابُوري؛ فحملا على بعير، وسيرهما إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد، فلما كانوا ببلاد الرحبة جاء رجل من الأعراب من عبادهم يقال له : جابر بن عامر؛ فسلم على الإمام أحمد، وقال له : يا هذا، إنك وافد الناس، فلا تكن مشئومًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تُجيبَ فيجيبوا " ( 30 ) .
وقال أيضًا – رحمه الله تعالى - :
" قال البخاري : لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول : لو كان هذا في بني إسرائيل لكان أحدوثة .
وقال إسماعيل بن الخليل : لو كان أحمد بن حنبل في بني إسرائيل لكان عجبا.
وقال المزني : أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين .
قال قتيبة : إن أحمد بن حنبل قام في الأمة مقام النبوة .
قال البيهقي : يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله، عز وجل .
وقال الميموني : قال لي علي بن المديني بعدما امتحن أحمد، وقبل أن يمتحن: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل؛ فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام؛ فحكيت له مقالة علي بن المديني؛ فقال : صدق، إن أبا بكر الصديق وجد يوم الردة أنصارًا وأعوانًا وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان؛ ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول : لست أعلم في الإسلام مثله .
وقال إسحاق بن راهويه : أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده في أرضه .
وقال علي بن المديني : إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان، وقال علي أيضا : إني اتخذت أحمد بن حنبل حجة فيما بيني وبين الله عز وجل؛ ثم قال : ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله؟ " ( 31 ) .
قلت : هذه النقولات وغيرها تفيدك أيها اللبيب أن أحمد بن حنبل قام مقامًا لم يقوى عليه أئمة زمانه – وهم أئمة راسخون في العلم -، وإن أجاب أجاب الناس، واستحمكت البدعة وانتشرت؛ فكيف يسوون بين دعائه على المأمون في هذا الموقف العصيب وهو كذلك متوعد بالقتل، وهو رأس الناس يومئذ بما يؤصلون له من جواز الدعاء على الحاكم الظالم - علانية -؟
ثم إن القائلين بهذه الأقوال الشاذة الباطلة؛ من فرط جهلهم؛ لا ينضبطون بما تقرر عند أهل العلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – لاسيما إن تعلق بالحاكم -؛
قال ابن دقيق في شرحه على الأربعين النووية : " ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر " ( 32 ) .
أمَّا هؤلاء بأس عندهم أن يقع من كل أحد في كل مكانٍ !، ولستُ أبالغ؛ فهم حتى مواقع التواصل الإجتماعي جعلوها منبرًا لكل جهولٍ مجهولٍ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ! .
وهذا نزولًا على قاعدتهم، وإلا فقد تقدم ما قرره أهل العلم في تلك المسألة – بفضل الله وتوفيقه -،

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح مسلم (18/160) .
(2) وعليه يحمل فعل السلف كقصة أبي سعيد الخدري مع مروان أمير المدينة لمّا قدّم الخطبة على الصلاة . انظر صحيح البخاري ( 2/449 رقم956 فتح ) ك العيدين ب الخروج إلى المصلى بغير منبر
(3) المعلوم23 و المعاملة 44 .
(4) تنبيه الغافلين 64.
(5) السيل (4/556) .
(6) نصيحة مهمة 30 .
(7) الرياض الناضرة 50 .
(8) المعلوم 22 .
(9) مقاصد الإسلام ص393 .
(10) نصيحة مهمة 33 .
(11) مقاصد الإسلام 393.
(12) الرياض الناضرة ص50 .
(13) و هذا يفيد أن الخروج يكون بالسيف و يكون باللسان ، بخلاف من يقول : إن الخروج لا يكون إلا بالسيف . فتأمل هذا و احفظه جيداً .
(14) نصيحة مهمة 30 .
(15) وجوب طاعة السلطان للعريني ص23-24 .
(16) المعلوم 22 و المعاملة 43.
(17) المعاملة 32 .
(18) السنة فيما يتعلق بولي الأمة صـ 22 إلى 28 .
(19) فتح الباري لابن حجر ( 13 / 52 ) .
(20) شرح صحيح البخاري لابن بطال ( 10 / 49 ) .
(21) شرح بلوغ المرام، كتاب الجامع، باب الترغيب في مكارم الأخلاق، في شرح حديث" الدين النصيحة " ، شريط رقم 15 - الوجه الأول - من الدقيقة 29 إلى الدقيقة 39 .
(22) (الأجوبة المفيدة صـ 27) .
(23) من شرحه – حفظه الله - لحديث " من رآى منكم منكرًا ... " .
(24) شرح على كتاب ( مختصر زاد المعاد ) لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله -، الدرس الرابع والأربعين، تفريغ الأخ أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد المصريّ على أحد المنتديات.
(25) رواه الخلال في السنة [1 /132] وابن مفلح في الآداب الشرعية [1 /221] .
(26) البداية والنهاية ( 14 / 377 ) .
(27) شرح على كتاب ( مختصر زاد المعاد ) لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله -، الدرس الرابع والأربعين، تفريغ الأخ أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد المصريّ على أحد المنتديات.

(28) مصنف ابن أبي شيبة ( حديث رقم 37192 ، 7/ 457 ) ، قال ابن حجر في التلخيص الحبير 3/296 : إسناده صحيح، ومثله لا يقال من قبل الرأي .
(29) مجموع الفتاوى ( 12 / 488 ).
(30) البداية والنهاية ( 14 / 397 ).
(31) البداية والنهاية ( 14 / 406 ، 7 ، 8 ) .
(32) شرح الأربعين النووية لابن دقيق – رحمه الله تعالى - صـ 112 .


انتهى الموضوع ولله الحمد
رد مع اقتباس