الصعق :
وهنا يحسن ذكر امر الصعق الدنيا والاخرة .
الخَلْطُ بين صعقة البعث وصعقة تجلي الله للخلائق يوم القيامة. اشتبه على الكثيرين صعقة تجلي الله للخلائق يوم القيامة بصعقة البعث حين ينفخ في الصور، ففهم من الحديث الوارد في صعقة الله للخلائق يوم القيامة أنه صعقة البعث.
ففي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور ) متفق عليه ـ.
" والمقصود بالصعقة هنا الصعقة الثانية، وهي صعقة البعث ". خلط كثير من الناس بين صعقة البعث، وصعقة تجلي الله للخلائق في موقف القيامة، والصواب أن هذه صعقة في موقف القيامة لتجلي الله للخلائق إذا جاء لفصل القضاء، وليست صعقة البعث؛ لأن صعقة النفخ لا يستثنى فيها موسى -عليه الصلاة والسلام- بل البعث عام لجميع الناس، وأول من تنشق عنه الأرض هو نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة رواه مسلم.
قال: شارح الطحاوية ص466 - 467 بعد حديث: إن الناس يصعقون يوم القيامة قال: (وهذا صعق في موقف القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ يصعق الخلائق كلهم ) ا هـ.
ثم بيّن الشارح ما وقع من الاشتباه على بعض الرواة، حيث أدخل حديث صعق البعث في حديث صعق التجلي، وكشف هذا الاشتباه، ثم قال -رحمه الله- في ص 468 سطر 7 - 11: (فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى -عليه السلام- إن كان لم يصعق معهم، فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكًّا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضًا عن صعقة الخلائق لتجلي ربه يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى ولا تهمله ) ا هـ.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الروح ص36 مبينًا أنه لا يصح حمل الحديث على صعقة النفخ في الصور، ورادًّا للاحتمال الذي أورده القرطبي وهو حمل الحديث على صعقة الموت عند النفخ في الصور، قال -رحمه الله-: ( قال أبو عبد الله القرطبي إن حُمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال، وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور، فيكون ذكر يوم القيامة يراد به أوائله، فالمعنى: إذا نفخ في الصور نفخة كنت أول من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور قلت: وحمل الحديث على هذا لا يصح؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- تردد: هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق؟ بل جوزي بصعقة الطور.
فالمعنى: لا أدري أصعق أم لم يصعق. وقد قال في الحديث: فأكون أول من يفيق وهذا يدل على أنه -صلى الله عليه وسلم- يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى هل صعق وأفاق قبله من صعقته، أم لم يصعق، ولو كان المراد به الصعقة الأولى وهي صعقة الموت، لكان -صلى الله عليه وسلم- قد جزم بموته، وتردد: هل مات موسى أم لم يمت، وهذا باطل لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت " ا هـ. كلام ابن القيم -رحمه الله-.
أقول: ويحسن في هذا المقام ذكر نوعي الصعق ووقت كل منهما، وسببه، فنقول الصعق نوعان:
أحدهما: صعقة البعث ووقته في الدنيا عند فنائها، وسببه النفخ في الصور، ونوعه موت، والدليل قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ .
الثاني: صعقة التجلي، ووقته في موقف القيامة، وسببه تجلي الله للخلائق إذا جاء لفصل القضاء، ونوعه غشي، ودليله ما في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق الحديث.
|