عرض مشاركة واحدة
  #93  
قديم 2013-09-22, 08:06 PM
محمود5 محمود5 غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2010-10-17
المكان: مصر
المشاركات: 1,238
افتراضي

الحق يخبرنا هنا: { وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً } ، وصعقه تُطلق كما قررنا انفا ويراد بها الوفاة، ولكن هنا صعقة أخرى تعبر عن الإِغماءة الطويلة. وصعقة الوفاة يقول فيها الحق سبحانه:
{ ...فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }
[الزمر: 68]

إذن النفخة الأولى لصعق وموت الجميع، ثم تأتي النفخة الثانية للبعث. وهنا يقول الحق: { فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ }.وهذا يدل على أن الصعقة ليست هي الصعقة المميتة، وأفاق سيدنا موسى من الصعقة، وانتبه إلى أنه لم يكن من اللائق أن يطلب الرؤية المباشرة لله. وكما نقول: " فلان فاق لنفسه " وهنا " أفاق " موسى على حاجتبن اثنتين، أفاق من الغشية التي حصلت له من الصعقة، وكأنَّه تساءل: لماذا انصعقت؟ لقد انصعق لأنه سأل ربنا ما ليس له به علم: { فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ } ، وساعة تسمع كلمة " سبحانك " اعرف أنَّه يراد بها التنزيه لله من الحدث الذي نحن بصدده وهو رؤيته - تعالى - أي تنزيها لك يا رب أن يراك مخلوقك؛ لأن الرؤية قدرة بصر على مرئي، ومعنى: " رأيت الشيء " أي أن عين البشر قد قدرت على الشيء، ولو أننا نحن المخلوقين رأينا الله بقانون الضوء، فهذا يعني أن أبصارنا تقدر على ربنا وهذا لا يمكن أبداً؛ لأن المقدور لا ينقلب قادراً، والقادر لا ينقلب مقدوراً. {... فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الأعراف: 143]

وتوبة موسى هنا من أنه سأل الله ما ليس له به علم، ولأنه لم يقف عند التجليات المخالفة لنواميس الكون، وأنَّ ربنا فقد أعطاه بدون أن يسأل، لقد كلمه الله، فلماذا يُصعد المسألة ويطلب الرؤية؟ ولماذا لم يترك الأمور للفيوضات التي يعطيها الله له ويتنعم بفيض جود لا ببذل مجهود؟.

ويقرر موسى ويقول: { وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ، أي بأنّ ذاتك - سبحانك - لا يقدر مخلوق أن يراها ويدركها. لقد شعر موسى ببعض من انكسار الخاطر لأنه طمح إلى ما يفوق استطاعته وقال: { سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وكأنه قد فهم ما أوضحه الحق له: لا تلتفت إلى ما منعتك، ولكن انظر إلى ما أعطيتك: { قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي... }.
*******
ومواصل باذن الله تعالى
رد مع اقتباس