تكمله وموعظه للشيخ الدكتور ناصر الأحمد
إن الصحابة رضي الله عنهم، هم أعلام الفضيلة، ودعاة الهداية، هم الذين حملوا نور الإسلام في أنحاء المعمورة، بهم أنقذ الله البشرية من أغلال الوثنية، أرسوا قواعد الحق والخير والعدل، نشروا كلمة الله حتى علت في الأرض، ورفرف علم الإسلام في الآفاق. لقد بذلوا في سبيل ذلك قصارى جهدهم، سهروا من أجل تبليغ كلمة الله، ونشرها ليلاً ونهاراً دون ملل أو كلل، بل كانوا كما أخبر الله عنهم: (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعفوا وما استكانوا). لم يميلوا إلى دعة ولا أخلدوا إلى راحة، ولم تغرهم الحياة الدنيا بزخارفها وبهرجها، ضحوا بكل غال ورخيص لكي يخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
هؤلاء هم الصحابة، بشر كما قلت لكن عجب من البشر، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، فأذل الله بهم الشرك، وأزال رؤوسه، ومحا دعائمه، حتى صارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فرضوان الله ورحمته على تلك النفوس الزكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها.
الصحابة هم علماء الأمة، وهم أعلم الناس، بل إن من جاء بعدهم من علماء الأمة تلاميذهم، فهؤلاء الأئمة الأربعة الذين طبق علمهم الأرض شرقاً وغرباً هم تلاميذ تلاميذهم، لأنهم حرصوا على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذوا عنه الكتاب والسنة، ثم بلغوهما إلى من جاء بعدهم، من غير زيادة ولا نقصان، إذاً هم الواسطة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين كل الأمة ممن جاء بعدهم.
إن الله جل وتعالى لما جعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء جعل الصحابة أفضل الحواريين واختارهم الله تعالى لصحبة رسوله وحمل دينه وتبليغ شرعه، فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة هم رؤوس الأولياء وصفوة الأتقياء وقدوة المؤمنين وأسوة المسلمين وخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين، شرّفهم الله بمشاهدة خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم وصُحبته في السراء والضراء، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله عز وجل حتى صاروا خيرة الخيره، وأفضل القرون بشهادة المعصوم صلى الله عليه وسلم، فهم خير الأمم سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم، هم الذين أقاموا أعمدة الاسلام بسيوفهم، وشادوا قصور الدين برماحهم، واستباحوا الممالك الكسروية، وأطفأوا الملة النصرانية والمجوسية، وقطعوا حبائل الشرك من الطوائف المشركة العربية والعجمية، وأوصلوا دين الله إلى أطراف المعمورة شرقها وغربها ويمينها وشمالها.
أولئك قوم شيّد الله فخرهم فما فوقه فخر وإن عظم الفخر
عن أبي وائل قال: قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى اطلع في قلوب العباد فاختار محمداً صلى الله عليه وسلم فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد، فاختار له أصحاباً فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم الا بخير، وحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
وقال أيوب السختياني رحمه الله: من أحب أبابكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق.
لقد عُزلت هذه الأمة طويلاً عن دراسة تاريخ أسلافها، وأفلح خصومها في إحداث فجوةٍ سحيقةٍ بين ماضيها وحاضرها لتظل غارقةً في نومها، واليوم وقد بدأت الأمة تستيقظُ من غفلتها، وتستردُ شيئاً من عافيتها، فقد آن الأوان أن تعيد دراستها لتاريخها المجيد، وتتأمل منهج الأصحابِ في صناعةِ ذلك المجدِ الفقيد، لتأخذَ العبرةَ وتستلهم الفكرةَ وتكرر المحاولة، فلن يصلح حالُ آخر هذه الأمة إلا بما صلح به حالُ أولها. لم لا وإن من أولويات ما تجبُ دراسته هو تأمل عوامل النجاح التي من خلالها تمكن الصحابةَ من حمل الإسلام إلى العالم، و نشر الدين في أصقاع المعمورة، حتى وصلت خيولُ المسلمين إلى أطراف الصين شرقاً، و قرعت أبواب فرنسا الصليبية غرباً، فما سر نجاحهم يا ترى؟ كيف نجحوا في بلوغ غاياتهم وتحقيق أهدافهم؟ وكيف أسعدوا البشرية بنور الوحيين الشريفين وخلصوا الإنسانية من جحيم الجاهلية ونتنها.
|