وأما العامل الثاني:
فيتضح لك من خلال مشهد ذلك الأعرابي يوم دخل على رسول الله r فقال: "يا ابن عبد المطلب، أسألك بربك ورب من قبلك ءآلله أرسلك؟. قال: نعم. قال ءآلله أمرك أن نصلي خمس مرات في اليوم والليلة؟. قال: نعم. قال ءآالله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟. قال: نعم. قال ءآالله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة فتدفعها للفقراء والمساكين؟. قال: نعم. قال الأعرابي: آمنت بك يا محمد و بما جئت به، وأنا ضمام بن ثعلبة، وإني رسول من ورائي من قومي". تأمل رحمك الله، فلقد أعلن ضمام إسلامه في الحال، وأعلن على الفور بأنه سيكون داعية الإسلام في قومه، فلم تكن مسافة زمنية تذكر بين تعلم ضمام مبادئ الإسلام وبين انطلاقته داعياً إلى تلك المبادئ، لقد شعر بواجبه بداهةً وحتى قبل أن يتلقى من النبي أمراً أو توجيهاً بضرورة العمل، إذ أن ذلك أمرٌ بديهي في حس المؤمن لا يحتاج إلى تأكيده والإلحاح به، فالشعور بضرورة العمل ووجوب البلاغ والدعوة أمر منتهي ومسألة محسومة في حس الصحابة رضي الله عنهم، إنك لتجد كما في صحيح البخاري أن رجلاً مقنعاً بالحديد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله أسلم أو أقاتل؟ قال بل أسلم ثم قاتل، فأسلم فقاتل حتى قتل". هذا الرجل يشعر بفطرته ويدرك بجبلته بحتمية العمل وتنتابه رغبة شديدة في الجهاد بالرغم من أن فكرة الإسلام لا زالت مجرد هاجس في ذهنه لم تترجم بعد إلى إعلان حقيقي، مع هذا يأتي متسائلاً أيسلم أولاً أم يقاتل أولاً؟.
وأما العامل الثالث
من عوامل نجاحهم: فهو إيثار ما عند الله وتقديم الآخرة على الفانية. هذا أبو خيثمة يرجع إلى أهله في يوم شديد الحر لافح السمومِ فيجد إمرأتاه في عريش لهما داخل بستان وقد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماءً وهيأت طعاماً، فلما دخل وقف على باب العريش فنظر إلى زوجتيه ما صنعتا له فقال: رسول الله في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء، ما هذا بالعدل، ما هذا بالعدل، والله لا أدخل عريشاً واحدةٍ منكما حتى التحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا له زاداً فارتحل لاحقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك. انظر يا رعاك الله كيف يكون الزهد في العرض الزائل والمتاع الرخيص إيثاراً لما عند الله، ماءٌ بارد وطعامٌ مهيأ وزوجة حسناء وروضة غناء، فلا يكترث لشيء منها ولا يلتفت يعبأ بها، ولكن هيئوا لي دابتي واحزموا لي متاعي، فليس من الإنصاف أن أهنأ بالنعيم ورسول الله في الضح والحر.
ولئن عجبت من زهد أبي خيثمة وإصراره على اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك راكباً بعيره مستقلاً دابته، فأعجب منه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه حين ركب بعيره لاحقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أيضاً، فيستعصي عليه بعيره ويصعب عليه قياده، فينطلق ماشياً على قدميه يشق المغاور وحده، تحرقه الشمس ويلفحه السموم وتسمه الريح، فلما هذا يا صاحب رسول الله؟ أما كان يسعك أن تتعجل عائداً إلى المدينة بعد أن فقدت الظهر، واستعصت عليك دابتك؟ لما كل هذا العناء؟ لما كل هذا يا صاحب رسول الله؟. إنه الإيثار لما عند الله والحماسة لهذا الدين والإخلاص لنصرته، لذا لم يكن استعصاء بعير أبي ذر يحتاج منه إلى مراجعة حساباته لينظر أينطلق إلى تبوك أم يعود إلى المدينة؟.
|