عرض مشاركة واحدة
  #42  
قديم 2013-10-31, 08:31 PM
نمر نمر غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2013-02-26
المكان: بلاد الاسلام بلادي
المشاركات: 918
افتراضي

وأمَّا العامل الرابع

من عوامل نجاحهم في حمل الإسلام وإبلاغه للناس كافة: فهو شجاعة القلب ورباطة الجأش. لن نذكر خالداً وبسالته، ولا الزبير وصلابته، ولا المقداد وصولته، ولا سعداً وجولاته، ولكن أسماء المرأة الضعيفة البنية، الكفيفة البصر، نذكر أسماء في موقفها مع الحجاج يوم قتل ابنها وصلبه على جدار الكعبة، فأرسل إليها لتأتي فامتنعت، فأرسل إليها ثانية لتأتي أو لأبعثن من يسحبك من قرونك، فقالت: لستُ آتيةً وليبعث من يسحبني من قروني، فجاءها الظالم بنفسه فدخل عليها فقال: كيف رأيتيني صنعتُ بعبد الله، يقصد ابنها، قالت: أرى أنك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أنه سيكون في ثقيف دجال ومبير، أما الدجال فقد عرفناه، وأما المبير فلا أخاله إلا أنت. فانصرف خاسئاً وهو حسير، أما الدجال فقد عرفناه، وأما المبير فلا أخاله إلا أنت. تقوله لمن؟ لرجل لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه ولا الشفقة سبيلاً إلى فؤاده، وبمثل هذه الشجاعة كانت كلمة الحق ترفرف في العلياء لا يخاف قائلها في الله لومة لائم.


العامل الخامس

من أسرار نجاحهم وعوامل انتصارهم: تلك الروح الجماعية في الأداء. فقد كانوا أشبه ما يكونون بفريق عملٍ موحد، لا يجد أحدهم أدنى عضاضة بأن يعمل في أي موقع يوجه إليه ما دام يشعر بأنه يخدم دينه وعقيدته. استعمل أبو بكر عمرو بن العاص على صدقات قضاعة، ثم كتب إليه يستنفره إلى الشام، فقال إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك؟ فكتب إليه عمرو رضي الله عنه: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت عبد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها فارم بي فيها. سبحانك إلهي! أي رجال هؤلاء، إن عمرواً لا يرى نفسه إلا مجرد سهمٍ في كنانة الإسلام، يُرمى بالسهم أنى تكون مصلحة الإسلام. وأبلغ من موقف عمرو موقف خالد يوم كتب إليه عمر يأمره بتسليم قيادة الجيش لأبي عبيدة مع أن سيفه لا يزال يقطرُ من دماء الروم، فيسلمها أبا عبيدة بكل تواضع ويعود جندياً بين الجنود بل أسداً ضمن الأسود، فلم تكن المناصب تحرك شعرةً في رؤوسهم أو تساوي بعرة في نفوسهم، فقد تركوها يتطاحن عليها الفارغون، وطاروا إلى الجنة بمنصب خدمة الإسلام، و لُقّبوا عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.


إننا اليوم في مرحلةٍ ينبغي أن نتجاوز فيها مهزلة توزيع المسئوليات وتقسيم الواجبات على الآخرين، في مقابل الفرجة التامة والعزلة الكاملة، فإن ثمة أقواماً يُجيدون اللوم وإلقاء التبعة على الآخرين، أما هم فقد حازوا شهادة براءةٍ وصكوك غفرانٍ، فلا عليهم بعد ذلك أن يقبعوا في جحورهم ويركنوا في زواياهم دون عمل شيء لخدمة الإسلام، لقد حقق أسلافنا المعجزات وقهروا المعضلات بقوة عزائمهم وحسن توكلهم وشدة بأسهم وجماعية أدائهم، ونحن اليوم قادرون على إعادة الكرة بإذن الله وتحقيق المعجزة بحول الله، متى تشبهنا بأولئك الأخيار واقتفينا آثارهم، والله جل وتعالى يقول: (وكان حقاً علينا نصرة المؤمنين).