بسم الله الرحمن الرحيم
قول الله تبارك وتعالى
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ}[آل عمران:7].
الحَمْدُ لله رَبِّ العّاْلمَيِن والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أَشْرَفِ الأنبياء والمُرْسَلِيْن وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أَمَّا بَعْد:
القرآن آياته كلها محكمة بمعنى أنها كلها حق من عند الله تبارك وتعالى، يقول الله تبارك وتعالى{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[هود:1]، ويقول{تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}[يونس:1]، وكلها متشابهة بمعنى أنها يشبه بعضها بعضًا في الأحكام ولا تعارض بينها ولا اختلاف، يقول الله تبارك وتعالى{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}[الزمر:23]، ومنها محكم ومنها متشابه، وهذا من حيث الدلالة فمنها القطعي الدلالة وهو المحكم، ومنها ظني الدلالة وهو المتشابه، يقول الله تبارك وتعالى{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ}[آل عمران:7].
ومحكم القرآن ومتشابهه كله نحن مأمورون باتباعه ابتغاء مرضاة الله تعالى، يقول تعالى{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}[الأعراف:3]، وقوله{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[الزمر:55]. والاتباع يعني اتباع القلب واتباع الجوارح أي الإيمان والعمل، دل على ذلك غير ما سبق من آيات قول الله تبارك وتعالى{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً}[النساء:115]، ولا يتحقق هذا الاتباع إلا بالعلم والفهم فلزم بذلك تحقق العلم بما تدل عليه آيات القرآن الكريم محكمها ومتشابهها فهل هذا بدلالة هذه الآية التي أوردت هذا التصنيف لآيات كتاب الله ممكن أم لا؟ ولمعرفة ذلك لا بد من معرفة المراد بمحكم الآيات ومتشابهها، فالمحكم هو القواعد الكلية القطعية الدلالة كآيات التوحيد والصلاة والزكاة، ولذلك سماها الله أم الكتاب أي القواعد العظام المقطوع بدلالتها التي هي مآل وملاذ فروعها وهي الآيات المتشابهات أي الظنيات الدلالة التي تحتاج معرفة المراد منها إلى الرجوع إلى أمهاتها، يقول الله تبارك وتعالى في بيان ذلك{الَر.كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[هود:1]، وهنا ذكر الله صنفي الآيات ولكن بما يبين المراد بصنفي آية آل عمران، فالصنف الأول هو المحكم أي القواعد الكلية القطعية والآخر هو المفصل أي المتناول الأحكام الجزئية الظنية، والذي يعلم تأويل هذه المتشابهات الظنيات أي مراد الله منها حيث إن التأويل يعني معرفة حقيقة مراد الله منها من بين المرادات التي قد تخطر ببال الناظر فيها كما دل عليه قول الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[النساء:59]، وقوله{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}[يوسف:6]، وقوله{قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}[يوسف:44]، وقوله{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}[الكهف:78]. هو الله سبحانه وتعالى والراسخون في العلم، كما ثبت في آية آل عمران، والراسخون في العلم علمهم ليس استقلاليًّا وإنما هو وراثة عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ووحي من الله تبارك وتعالى، ولا يمكن أن يجهل الراسخون في العلم تأويل المتشابه وإلا لما أمرنا الله باتباعه، ولما أمر العوام بسؤالهم عند الجهل بما يجب أن يتبعوه، بقوله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل:43]، ولما كان معنى لقوله صلى الله عليه وآله وسلم"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"( 1). ولذلك لزم الوقف في الآية بعد كلمة{الراسخون في العلم} وليس بعد لفظ الجلالة{الله}، وبذلك تكون الواو عاطفة وليست استئنافية، وكلمة{الرسخون في العلم} معطوفة على لفظ الجلالة وليست مبتدءًا، والراسخون في العلم هم الأئمة المعصومون المطهرون الاثنا عشر، دل على ذلك ما رواه محمد بن يعقوب عن عِدَّة مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ وَ عِمْرَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) قَالَ نَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَ نَحْنُ نَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ . ( 2)، وما رواه أيضًا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) نَحْنُ قَوْمٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طَاعَتَنَا لَنَا الْأَنْفَالُ وَ لَنَا صَفْوُ الْمَالِ وَ نَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَ نَحْنُ الْمَحْسُودُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .( 3)
وأما غير الراسخين في العلم فإما عالم رباني وارث لعلمهم مستنبط للأحكام على قواعدهم وهذا يهديه الله تعالى ويفقهه في دينه ويلهمه الصواب في الأكثر وما أخطأ فيه فيعذره الله ويثيبه على اجتهاده، وهؤلاء بين الله تعالى فضلهم وحثنا على التعلم منهم والتمسك بهم فهم الطريق الوحيد في زمن الغيبة لمعرفة الحق واتباعه، وإما جاهل خائض في آيات الله تعالى بغير علم أو منافق مريض القلب زائغه مبتغ فتنة الناس عن دينهم وصرفهم عن الحق يتأول القرآن بإرجاعه إلى الباطل لإحداث الردة عن دين الله تعالى في صفوف المسلمين وليس كتأويل الراسخين في العلم الذين يبتغون بالنظر في المتشابه الوصول إلى الحق واتباعه. وهؤلاء ذمهم الله تبارك وتعالى وحذرنا منهم، يقول الله تبارك وتعالى{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}، وروى البخاري بسنده عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم هَذِهِ الآيَةَ{هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}إِلَى قَوْلِهِ{أُولُو الأَلْبَابِ}قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ، فَاحْذَرُوهُمْ"( 4).
----------------------
( 1) رواه البخاري(فتح) ج1ص162 ومسلم ج5ص28 رقم2645 وابن ماجة رقم220 وأحمد ج1ص306 والدارمي ج1ص74 والحاكم ج3ص128 والطبراني في الكبير ج10ص284 والهيثمي في مجمع الزوائد ج1ص121 وابن حبان.
( 2) الكافي 1: 313|1. الفصول المهمة 925. البرهان 1598. حديث إمامي إسناده حسن
(3 ) الكافي 1: 143 | 6،الوسائل رقم 12659. البرهان 1600. حديث إمامي إسناده حسن.
( 4) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة.