لا بد من بيان معنى القضية المعينة ومعنى التشريع العام لأن كثيراً من الناس يظن أن معنى الحكم بغير ما أنزل الله في القضية المعينة أنه تبديل حكم واحد من أحكام الله فقط، وأن معنى التشريع العام هو الاستبدال الكامل للشريعة، وهذا فهم مغلوط. فالمقصود بالقضية المعينة؛ هو عدم تطبيق حكم الله فيها، وليس تبديل الحكم، فمثلاً فلان يحكم بالشرع ويرجم الزاني المحصن ويجلد البكر، ولكنه لم يرجم فلاناً من الناس بعد أن ثبت زناه إما لرشوة أو لكون الزاني قريباً له، وذلك كأن يطعن في عدالة الشهود، ونحو ذلك. وأما التشريع العام؛ فهو تبديل حكم الله ولو في حد من الحدود، أو مسألة من المسائل، ووضع حكم آخر وتشريع آخر تنتظم فيه جميع القضايا، كأن يكون حكم الزاني السجن أو الغرامة المالية ونحو ذلك. وإنما كفر من بدل ولو حكماً واحداً من الشرع، لأن المشرع من دون الله إنما كفر لكونه أشرك بالله ونازعه في حق من حقوقه الخالصة، ويستوي في ذلك تبديله لحكم واحد أو أكثر كمن ذبح لغير الله يكفر ولو فعله مرة واحدة غير أن الكفر دركات، وبعض الكفر أشد من بعض وبعض الناس أكفر من بعض، قال تعالى: "إنما النسيء زيادة في الكفر". ونتج عن هذا الفهم الخاطئ لمعنى القضية المعينة أنهم يقولون: إن قولكم في قضية معينة لا ضابط له، فلو حكم بأكثر من قضية متى يكون كافراً؟ وهم في هذا قد جمعوا بين سوء الفهم لأقوال مخالفيهم وبين مذهب آخر غريب، وهو أنهم يريدون حداً عددياً للمعاصي يكفر به الإنسان، والمعصية عند أهل السنة والجماعة لا يكفر فاعلها وإن تكررت منه، فليس هناك عدد معين من الزنا يكفر به الزاني، وكذا السارق وكذا شارب الخمر، وكذلك أيضاً عدم تطبيق حكم الله في قضية معينة معصية وليس كفراً، فسواء فعله مرة أو مرتين أو أكثر ما لم يستحل ذلك. فمفهوم الحكم محصور في ما يصدر من القاضي والحاكم على وجه الإلزام لعموم الرعية. والحكم في النصوص الشرعية لا يرد إلا على هذا المعنى وقد ورد ذالك في أكثر من مئة موضع في كتاب الله. والخطاب بوجوب الحكم بما أنزل الله موجه إلى القاضي والإمام الحاكم، وبقية الناس غير داخلين فيه.
و خلاصة الأمر أن المقصود بالقضية المعيّنة؛ هو عدم تطبيق حكم الله فيها وليس تبديل الحكم، فمثلا هو يحكم بالشرع ويرجم الزاني ولكنه لم يرجم فلانا لرشوة أو غيرها.
وأما التشريع العام؛ فهو تبديل حكم الله، ولو في حد من الحدود ووضع حكم آخر تنتظم منه جميع القضايا - كالغرامة المالية ونحوها - بدلا من الحدّ الشرعي.
|