الموضوع: احترام الصحابة
عرض مشاركة واحدة
  #23  
قديم 2014-03-03, 10:48 PM
فتى الشرقيه فتى الشرقيه غير متواجد حالياً
محـــــــاور
 
تاريخ التسجيل: 2012-10-17
المكان: الرياض
المشاركات: 4,372
افتراضي

تفسير إبن كثير
----------------------------
[ ص: 158 ] تفسير سورة التحريم وهي مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم ( 1 ) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم ( 2 ) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ( 3 ) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ( 4 ) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ( 5 ) )

اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة ، فقيل : نزلت في شأن مارية وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حرمها ، فنزل قوله : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ) الآية .

قال أبو عبد الرحمن النسائي : أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد ، حدثنا أبي ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة ، وحفصة حتى حرمها ، فأنزل الله ، عز وجل : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) إلى آخر الآية .

وقال ابن جرير : حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان ، حدثني زيد بن أسلم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه ، فقالت : أي رسول الله ، في بيتي وعلى فراشي ؟ ! فجعلها عليه حراما فقالت : أي رسول الله ، كيف يحرم عليك الحلال ؟ فحلف لها بالله لا يصيبها . فأنزل الله : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ؟ قال زيد بن أسلم فقوله : أنت علي حرام لغو .

وهكذا روى عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم قال : قل لها : " أنت علي حرام ، ووالله لا أطؤك " .

[ ص: 159 ]

وقال سفيان الثوري ، وابن علية ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحرم ، فعوتب في التحريم ، وأمر بالكفارة في اليمين . رواه ابن جرير . وكذا روي عن قتادة ، وغيره ، عن الشعبي نفسه . وكذا قال غير واحد من السلف ، منهم الضحاك ، والحسن ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان ، وروى العوفي ، عن ابن عباس القصة مطولة .

وقال ابن جرير : حدثنا سعيد بن يحيى ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان ؟ قال : عائشة ، وحفصة . وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية ، أصابها النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة ، فقالت : يا نبي الله ، لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي ، وفي دوري ، وعلى فراشي . قال : " ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها ؟ " . قالت : بلى . فحرمها ، وقال : " لا تذكري ذلك لأحد " . فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه ، فأنزل الله : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ) الآيات ، فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر عن يمينه ، وأصاب جاريته .

وقال الهيثم بن كليب في مسنده : حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحفصة : " لا تخبري أحدا ، وإن أم إبراهيم علي حرام " . فقالت : أتحرم ما أحل الله لك ؟ قال : " فوالله لا أقربها " . قال : فلم يقربها حتى أخبرت عائشة . قال : فأنزل الله : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم )

وهذا إسناد صحيح ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج .

وقال ابن جرير : أيضا حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا هشام الدستوائي قال : كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير : أن ابن عباس كان يقول في الحرام : يمين تكفرها ، وقال ابن عباس : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) [ الأحزاب : 21 ] يعني : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم جاريته فقال الله : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ؟ إلى قوله : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) فكفر يمينه ، فصير الحرام يمينا .

ورواه البخاري ، عن معاذ بن فضالة ، عن هشام - هو الدستوائي - عن يحيى - هو ابن كثير - عن ابن حكيم - وهو يعلى - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في الحرام : يمين تكفر . وقال [ ص: 160 ] ابن عباس : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) [ الأحزاب : 21 ] .

ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي به .

وقال النسائي : أنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي ، حدثنا مخلد - هو ابن يزيد - حدثنا سفيان ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أتاه رجل ، فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما ؟ قال : كذبت ليس عليك بحرام . ثم تلا هذه الآية : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ؟ عليك أغلظ الكفارات ، عتق رقبة .

تفرد به النسائي من هذا الوجه ، بهذا اللفظ .

وقال الطبراني : حدثنا محمد بن زكريا ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ؟ قال : حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريته .

ومن ها هنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته ، أو زوجته ، أو طعاما ، أو شرابا ، أو ملبسا ، أو شيئا من المباحات ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وطائفة . وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية ، إذا حرم عينيهما ، أو أطلق التحريم فيهما في قوله ، فأما إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة ، أو عتق الأمة ، نفذ فيهما .

وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبو عبد الله الظهراني ، أخبرنا حفص بن عمر العدني ، أخبرنا الحكم بن أبان ، حدثنا عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : نزلت هذه الآية : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ؟ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وهذا قول غريب ، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل ، كما قال البخاري عند هذه الآية :

حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها ، فتواطأت أنا وحفصة على : أيتنا دخل عليها ، فلتقل له : أكلت مغافير ؟ إني أجد منك ريح مغافير . قال : " لا ، ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له ، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا " ، ( تبتغي مرضاة أزواجك ) .

هكذا أورد هذا الحديث ها هنا بهذا اللفظ ، وقال في كتاب " الأيمان والنذور " : حدثنا الحسن بن محمد ، حدثنا الحجاج ، عن ابن جريج ، قال : زعم عطاء ، أنه سمع عبيد بن عمير ، يقول : سمعت عائشة تزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب بنت جحش ، ويشرب [ ص: 161 ] عندها عسلا فتواصيت أنا ، وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير ; أكلت مغافير ؟ فدخل على إحداهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت ذلك له ، فقال : " لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ، ولن أعود له " . فنزلت : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ؟ إلى : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) لعائشة ، وحفصة ، ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) لقوله : " بل شربت عسلا " . وقال إبراهيم بن موسى ، عن هشام : " ولن أعود له ، وقد حلفت ، فلا تخبري بذلك أحدا " .

وهكذا رواه في كتاب " الطلاق " بهذا الإسناد ، ولفظه قريب منه . ثم قال : المغافير : شبيه بالصمغ ، يكون في الرمث فيه حلاوة ، أغفر الرمث : إذا ظهر فيه . واحدها مغفور ، ويقال : مغافير . وهكذا قال الجوهري قال : وقد يكون المغفور أيضا للعشر ، والثمام ، والسلم ، والطلح . قال : والرمث ، بالكسر : مرعى من مراعي الإبل ، وهو من الحمض . قال : والعرفط : شجر من العضاه ينضح المغفور منه .

وقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب " الطلاق " من صحيحه ، عن محمد بن حاتم ، عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة به ، ولفظه كما أورده البخاري ، في " الأيمان والنذور " .

ثم قال البخاري في كتاب " الطلاق " : حدثنا فروة بن أبي المغراء ، حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الحلوى والعسل ، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه ، فيدنو من إحداهن . فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس ، فغرت فسألت عن ذلك ، فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل ، فسقت النبي - صلى الله عليه وسلم - منه شربة ، فقلت : أما والله لنحتالن له . فقلت لسودة بنت زمعة : إنه سيدنو منك ، فإذا دنا منك فقولي : أكلت مغافير ؟ فإنه سيقول ذلك لا . فقولي له : ما هذه الريح التي أجد ؟ فإنه سيقول لك : سقتني حفصة شربة عسل . فقولي : جرست نحله العرفط . وسأقول ذلك ، وقولي أنت له يا صفية ذلك ، قالت - تقول سودة - : والله ما هو إلا أن قام على الباب ، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقا منك ، فلما دنا منها قالت له سودة : يا رسول الله ، أكلت مغافير ؟ قال : " لا " . قالت : فما هذه الريح التي أجد منك ؟ قال : " سقتني حفصة شربة عسل " . قالت : جرست نحله العرفط . فلما دار إلي قلت نحو ذلك ، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك ، فلما دار إلى حفصة قالت له : يا رسول الله ، ألا أسقيك منه ؟ قال : " لا حاجة لي فيه " . قالت - تقول سودة - : والله لقد حرمناه . قلت لها : اسكتي .

[ ص: 162 ]

هذا لفظ البخاري . وقد رواه مسلم ، عن سويد بن سعيد ، عن علي بن مسهر به . وعن أبي كريب ، وهارون بن عبد الله ، والحسن بن بشر ، ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن هشام بن عروة به ، وعنده قالت : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتد عليه أن يوجد منه الريح يعني : الريح الخبيثة ; ولهذا قلن له : أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء . فلما قال : " بل شربت عسلا " . قلن : جرست نحله العرفط ، أي : رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير ; فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته .

قال الجوهري : جرست نحله العرفط تجرس : إذا أكلته ، ومنه قيل للنحل : جوارس ،

--------------------------------------------
رد مع اقتباس