انّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل(عليه السلام) بعد النبوّة، والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))، فقال الخليل(عليه السلام) مسروراً بها: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي ))، قال الله تبارك وتعالى: (( لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) فابطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثم اكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )) (الأنبياء:72-73)، فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها الله تعالى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان أفضل أهل زمانه، بل أفضل البشر، فثبت كونه هو الإمام في زمانه.
قال امير المو منين (عليه السلام) في وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كاف لك في الأسوة, ودليل لك على ذمّ الدنيا وعيبها, وكثرة مخازيها ومساويها, إذ قبضت عنه أطرافها, ووطئت لغيره أكنافها, وفطم من رضاعها, وزوي عن زخارفها ـ وساقها إلى قوله (عليه السلام): فتأسّ بنبيّك الأطهر الأطيب (صلى الله عليه وآله وسلم), فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى, وعزاء لمن تعزّى, وأحبّ العباد إلى الله تعالى المتأسّي بنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم), والمقتص لأثره, قضم الدنيا قضماً, ولم يعرها طرفاً, أهضم أهل الدنيا كشحاً, وأخمصهم من الدنيا بطناً, عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها, وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه, وحقّر شيئاً فحقّره, وصغّر شيئاً فصغّره, ولو لم يكن فينا إلا حبّنا ما أبغض الله وتعظيمنا ما صغّر الله لكفى به شقاقاً لله, ومحادّة عن أمر الله, ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأكل على الأرض, ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله, ويرقع بيده ثوبه, ويركب الحمار العاري, ويردف خلفه, ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول: يا فلانة ـ لإحدى أزواجه ـ غيّبيه عنّي, فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها, فأعرض عن الدنيا بقلبه, وأمات ذكرها من نفسه, وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه, لكيلا يتّخذ منها رياشاً, ولا يعتقدها قراراً, ولا يرجو فيها مقاماً, فأخرجها من النفس, وأشخصها عن القلب, وغيّبها عن البصر, وكذلك من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه, وأن بذكر عنده, ولقد كان في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يدلّك على مساوي وعيوبها, إذ جاع فيها مع خاصّته, وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته, فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك أم أهانه؟ فإن قال: أهانه فقد كذب والعظيم, وإن قال: أكرمه فليعلم أنّ الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له, وزواها عن أقرب الناس منه, فتأسّى متأسّ بنبيّه, واقتص أثره, وولج مولجه, وإلاّ فلا يأمن الهلكة, فإن الله جعل محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) علماً للساعة, ومبشّراً بالجنّة ومنذراً بالعقوبة, خرج من الدنيا خميصاً, وورد الآخرة سليماً, لم يضع حجراً على حجر حتّى مضى لسبيله, وأجاب داعي ربّه, فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم عليها به سلفاً نتّبعه, وقائداً نطأ عقبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام الدين..
|