اختلف العلماء في مسألة اﻻستعانة بالكفار في الحرب على قولين:
القول اﻷول:هو قول من قال بعدم جواز اﻻستعانة بالكفار في الحرب وهو مذهب المالكية(1).
وبه قال اﻹمام أحمد (رحمه الله) (2)وقد استدل المانعون بعدد من اﻵيات واﻷحاديث هي كما يلي:
-1-#قول الله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) آل عمران .#
قيل: إنها نزلت في عبادة ابن الصامت (رضي الله عنه) فقد كان له حلفاء من اليهود فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم اﻷحزاب قال:#له عبادة، يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فاستظهر بهم على العدو فأنزل الله هذه اﻵية#(3)
2-#قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) آل عمران .#
فقد رجح القرطبي عدم جواز اﻻستعانة بالكفار حيث يقول: إن الله قد وضح لنا العلة في النهي عن اتخاذهم بطانة بقوله: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) ثم ختم اﻵية بقوله#: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) فهل نكذب بيان الله فيهم ونصدقهم فنقربهم ونتقرب إليهم؟
( 4)#وفي زاد المسير قال القاضي أبو يعلى: هذه اﻵية دليل على أنه ﻻ يجوز اﻻستعانة بالكفار في أمر من أمور المسلمين ( 5)
3-#قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) المائدة .#
قال ابن خويز منداد: هذه اﻵية تضمنت مع مثيﻼتها المنع من التأييد واﻻنتصار بالمشركين ونحو ذلك ( 6)
#ويقول القرطبي: إن الصحيح من مذهب الشافعي هو منع اﻻستعانة بالكفار في القتال (7)#وقد ذكر أن الشافعي علل ذلك بأنه طريق ﻷن يكون للكافرين على المؤمنين سبيﻼ (8).
وأجاب من يرى الجواز بأن السبيل هو اليد وهي لﻺمام الذي استعان بالكفار ( 9 )
4-#ومن اﻷحاديث ما روى مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل بدر، فلما كان بحرّة الوبر أدركه رجل#قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:#جئت ﻷتبعك، وأصيب معك قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تؤمن بالله ورسوله؟ قال ﻻ#...#قال فارجع: فلن أستعين بمشرك» قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل#...#فقال له كما قال أول مرة.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال أول مرة. قال: «فارجع فلن نستعين بمشرك».#قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء.
فقال كما قال أول مرة «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فانطلق»#( 10)
5-#روى الواقدي أن خبيب بن يساف، كان رجﻼً شجاعًا وكان يأبى اﻹسﻼم فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، خرج هو وقيس بن محرث، فعرضا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجا معه، فقال «ﻻ يخرج معنا رجل ليس على ديننا» فقال خبيب: قد علم قومي أني عظيم الغناء في الحرب فأقاتل معك للغنيمة قال: «ﻻ، ولكن أسلم ثم قاتل» (11 ).
6-#روى اﻹمام أحمد عن خبيب عن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يريد غزوًا أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا ﻻ نشهده معهم «قال أو اسلمتما» قلنا ﻻ! «قال فﻼ نستعين بالمشركين على المشركين» قال فأسلمنا وشهدنا معه، فقتلت رجﻼً وضربني ضربة وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت تقول: ﻻ عدمت رجﻼَ وشحك هذا الوشاح فأقول: ﻻ عدمت رجﻼً عجل أباك النار (12 ).
القول الثاني:
قول من جوَّز اﻻستعانة بالكفار عند الحاجة إلى ذلكوهو قول جمهور الشافعية والحنابلة واﻷحناف (13 ).
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث هي كما يلي:
1-#ما روي أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وهو مشرك فقتل ثﻼثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر»( 14 ).
2-#وفي صلح الحديبية كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بعث أثناء توجهه إلى مكة عندما كان بذي الحليفة عينًا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن أبي سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة، وبشر بن أبي سفيان كان مشركًا من قبيلة خزاعة، وفي هذا تأكيد لجواز اﻻستعانة بالمشركين، عند الطمأنينة إليهم (15).
3-#وقد شارك في معركة أحد مع المسلمين مخريق بن ثعلبة اليهودي عقيدة وديانة العربي نسبًا وعرقًا، وكان قتاله تنفيذًا للمعاهدة المبرمة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود، فدعا اليهود إلى حمل السﻼح مع المسلمين فقالوا اليوم يوم السبت، فأخذ سﻼحه ولحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتل حتى قتل، وقال إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء وكان له سبعة بساتين وقد جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوقافًا بالمدينة (16).
4-#إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استعان بيهود بني قينقاع وقسم لهم، واستعان بصفوان بن أمية في#يوم حنين (قبل إسﻼمه) فدل ذلك على الجواز (17).
5-#وعن ذي مخبر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم» ( 18).
6-#وعن الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم (19) ..
وقد رد أصحاب هذا القول على أصحاب القول اﻷول القائلين بعدم جواز اﻻستعانة بالكفار بردود هي:
-أ- إن أدلة النهي عن اﻻستعانة بالكفار منسوخة بفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمله كما تقدم ذكر ذلك (20)
ب- إن القائلين بالجواز لم يذكروا أنه يجوز اﻻستعانة بالكفار مطلقًا وإنما قيدوا ذلك بشرطين هما:
-1-#الحاجة إلى الكفار في حالة عدم وجود من يحل محلهم من المسلمين.
2-#الوثوق بهم، وغلبة الظن على أمانتهم، وعدم مكرهم.
أما بدون هذين الشرطين فﻼ تجوز اﻻستعانة بهم بحال من اﻷحوال وهذا هو الراجح، وعلى ذلك يحمل حديث عائشة (رضي الله عنها) المذكور في صحيح مسلم، ويحصل الجمع بين اﻷدلة أدلة المنع وأدلة الجواز (21)
وقد نقل عن الشافعي (رحمه الله) ما يوافق هذا المعنى حيث روي أنه قال: «إن رأى اﻹمام أن الكافر حسن النية، حسن الرأي مأمون الجانب على المسلمين،وكانت الحاجة داعية إلى اﻻستعانة به جاز ذلك وإﻻ فﻼ»(22) .
ولعل هذا هو المتفق مع أدلة النهي وأدلة الجواز، إذ روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين، وهو مشرك، فتكون المسألة في ذلك داخلة تحت مفهوم السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة اﻹسﻼمية (23)
والظاهر من اﻷدلة عدم جواز اﻻستعانة بالمشركين إﻻ عند توفر الشرطين المتقدمين وذلك لسببين:
السبب اﻷول:
إن اﻷحاديث التي استدل بها على جواز اﻻستعانة بالكفار ﻻ تسلم من مقال أو توجيه يجعل العمل بها غير ملزم.
فمقاتلة قزمان مع المسلمين لم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن له بذلك في ابتداء اﻷمر، وغاية ما فيه، أنه يجوز لﻺمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين ( 24 ).
وأما استعانته - صلى الله عليه وسلم - ببشر بن أبي سفيان عينا له على قريش وهو مشرك فإنما استعان به بما دون القتال، وهذه المسألة أقرب في الجواز من مسألة القتال والحرب (25).
وأما ما روي عن الزهري مرسﻼً، فإن مراسيل الزهري ضعيفة والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف (26).
وأما استعانته - صلى الله عليه وسلم - بابن أبي من المنافقين فليس من قبيل اﻻستعانة#بالكفار ﻷنه مظهر لﻺسﻼم، والمنافق يحكم عليه بحسب ظاهره والله عز وجل يتولى سره (27).
|