
2014-11-17, 12:06 AM
|
|
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2010-09-26
المكان: بلاد الله
المشاركات: 5,182
|
|
الحلقة الثامنة:
تأجيل القتال ليوم العاشر من محرم:
فمضى العباس إلى القوم و رجع من عندهم و معه رسول من قبل عمر بن سعد يقول إنا قد أجلناكم إلى غد فإن استسلمتم سرحناكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد و إن أبيتم فلسنا تاركيكم و انصرف.
فجمع الحسين ع أصحابه عند قرب المساء وقال:
أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفى و لا خيرا من أصحابي و لا أهل بيت أبر و لا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرا ألا و إني لأظن أنه آخر يوم لنا من هؤلاء ألا و إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا
فقال له إخوته و أبناؤه و بنو أخيه و ابنا عبد الله بن جعفر لم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا بدأهم بهذا القول العباس بن علي رضوان الله عليه و اتبعته الجماعة عليه فتكلموا بمثله و نحوه
فقال الحسين ع يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم قالوا سبحان الله فما يقول الناس يقولون إنا تركنا شيخنا و سيدنا و بني عمومتنا خير الأعمام و لم نرم معهم بسهم و لم نطعن معهم برمح و لم نضرب معهم بسيف و لا ندري ما صنعوا لا و الله ما نفعل ذلك و لكن تفديك أنفسنا و أموالنا و أهلونا و نقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.
الإرشاد ج : 2 ص91 : 92
وصية الحسين لاخته زينب:
و قال لها يا أختاه اتقي الله و تعزى بعزاء الله و اعلمي أن أهل الأرض يموتون و أهل السماء لا يبقون و أن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته و يبعث الخلق و يعودون و هو فرد وحده أبي خير مني و أمي خير مني و أخي خير مني و لي و لكل مسلم برسول الله ص أسوة فعزاها بهذا و نحوه و قال لها يا أخية إني أقسمت فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا و لا تخمشي علي وجها و لا تدعي علي بالويل و الثبور إذا أنا هلكت ثم جاء بها حتى أجلسها.
الإرشاد ج : 2 ص : 94
الاستعداد للمعركة الفاصلة:
و أصبح الحسين بن علي ع فعبا أصحابه بعد صلاة الغداة و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه و حبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه و أعطى رايته العباس أخاه و جعلوا البيوت في ظهورهم و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك و أن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم. و أصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم و هو يوم الجمعة و قيل يوم السبت فعبأ أصحابه و خرج فيمن معه من الناس نحو الحسين ع و كان على ميمنته عمرو بن الحجاج و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن و على الخيل عروة بن قيس و على الرجالة شبث بن ربعي و أعطى الراية دريدا مولاه.
الإرشاد ج : 2 ص : 95
الحسين يخاطب أهل الكوفة:
ثم دعا الحسين ع براحلته فركبها و نادى بأعلى صوته
يا أهل العراق و جلهم يسمعون فقال أيها الناس اسمعوا قولي و لا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي و حتى أعذر إليكم فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد و إن لم تعطوني النصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي و لا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب و هو يتولى الصالحين ثم حمد الله و أثنى عليه و ذكر الله بما هو أهله و صلى على النبي ص و على ملائكة الله و أنبيائه فلم يسمع متكلم قط قبله و لا بعده أبلغ في منطق منه ثم قال أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم و عاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي و انتهاك حرمتي أ لست ابن بنت نبيكم و ابن وصيه و ابن عمه و أول المؤمنين المصدق لرسول الله بما جاء به من عند ربه أ و ليس حمزة سيد الشهداء عمي أ و ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي أ و لم يبلغكم ما قال رسول الله لي و لأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول و هو الحق و الله ما تعمدت كذبا منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله و إن كذبتموني فإن فيكم من لو سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري و أبا سعيد الخدري و سهل بن سعد الساعدي و زيد بن أرقم و أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ص لي و لأخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي فقال له شمر بن ذي الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر و الله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا و أنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك ثم قال لهم الحسين ع فإن كنتم في شك من هذا أ فتشكون أني ابن بنت نبيكم فو الله ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبي غيري فيكم و لا في غيركم ويحكم أ تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الأشعث يا يزيد بن الحارث أ لم تكتبوا إلى أن قد أينعت الثمار و أخضر الجناب و إنما تقدم على جند لك مجند فقال له قيس بن الأشعث ما ندري ما تقول و لكن انزل على حكم بني عمك فإنهم لم يروك إلا ما تحب فقال له الحسين لا و الله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل و لا أفر فرار العبيد ثم نادى يا عباد الله إني عذت بربي و ربكم أن ترجمون أعوذ بربي و ربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.
الإرشاد ج : 2 ص :97- 98
انضمام الحر بن يزيد للحسين:
فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين ع قال لعمر بن سعد أي عمر أ مقاتل أنت هذا الرجل قال إي و الله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس و تطيح الأيدي قال أ فما لكم فيما عرضه عليكم رضى قال عمر أما لو كان الأمر إلي لفعلت و لكن أميرك قد أبى. فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا و معه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له يا قرة هل سقيت فرسك اليوم قال لا قال فما تريد أن تسقيه قال قرة فظننت و الله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال و يكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له لم أسقه و أنا منطلق فأسقيه فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فو الله لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين بن علي ع فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له المهاجر بن أوس ما تريد يا ابن يزيد أ تريد أن تحمل فلم يجبه و أخذه مثل الأفكل و هي الرعدة فقال له المهاجر إن أمرك لمريب و الله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا و لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك فما هذا الذي أرى منك فقال له الحر إني و الله أخير نفسي بين الجنة و النار فو الله لا أختار على الجنة شيئا و لو قطعت و حرقت. ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين ع فقال له جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع و سايرتك في الطريق و جعجعت بك في هذا المكان و ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم و لا يبلغون منك هذه المنزلة و الله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت منك الذي ركبت و إني تائب إلى الله تعالى مما صنعت فترى لي من ذلك توبة فقال له الحسين ع نعم يتوب الله عليك .
الإرشاد ج : 2 ص :99- 100
بداية المعركة:
. و نادى عمر بن سعد يا ذويد ادن رأيتك فأدناها ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى و قال اشهدوا أني أول من رمى ثم ارتمى الناس و تبارزوا .
فصاح عمرو بن الحجاج بالناس يا حمقى أ تدرون من تقاتلون تقاتلون فرسان أهل المصر و تقاتلون قوما مستميتين لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل و قل ما يبقون و الله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال عمر بن سعد صدقت الرأي ما رأيت فأرسل في الناس من يعزم عليهم ألا يبارز رجل منكم رجلا منهم. ثم حمل عمرو بن الحجاج في أصحابه على الحسين ع من نحو الفرات فاضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي رحمة الله عليه و انصرف عمرو و أصحابه و انقطعت الغبرة فوجدوا مسلما صريعا فمشى إليه الحسين ع فإذا به رمق فقال رحمك الله يا مسلم منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا و دنا منه حبيب بن مظاهر فقال عز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال مسلم قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال له حبيب لو لا أني أعلم أني في أثرك من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك. ثم تراجع القوم إلى الحسين ع فحمل شمر بن ذي الجوشن لعنه الله على أهل الميسرة فثبتوا له فطاعنوه و حمل على الحسين و أصحابه من كل جانب و قاتلهم أصحاب الحسين قتالا شديدا فأخذت خيلهم تحمل و إنما هي اثنان و ثلاثون فارسا فلا تحمل على جانب من خيل الكوفة إلا كشفته. فلما رأى ذلك عروة بن قيس و هو على خيل أهل الكوفة بعث إلى عمر بن سعد أ ما ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدة اليسيرة ابعث إليهم الرجال و الرماة فبعث عليهم بالرماة فعقر بالحر بن يزيد فرسه فنزل عنه و جعل يقول
إن تعقروا بي فأنا ابن الحر أشجع من ذي لبد هزبر
و يضربهم بسيفه و تكاثروا عليه فاشترك في قتله أيوب بن مسرح و رجل آخر من فرسان أهل الكوفة و قاتل أصحاب الحسين بن علي ع القوم أشد قتال حتى انتصف النهار فلما رأى الحصين بن نمير و كان على الرماة صبر أصحاب الحسين ع تقدم إلى أصحابه و كانوا خمس مائة نابل أن يرشقوا أصحاب الحسين ع بالنبل فرشقوهم فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم و جرحوا الرجال و أرجلوهم و اشتد القتال بينهم ساعة و جاءهم شمر بن ذي الجوشن في أصحابه فحمل عليهم زهير بن القين رحمه الله في عشرة رجال من أصحاب الحسين فكشفهم عن البيوت و عطف عليهم شمر بن ذي الجوشن فقتل من القوم و رد الباقين إلى مواضعهم و أنشأ زهير بن القين يقول مخاطبا للحسين ع اليوم نلقى جدك النبيا و حسنا و المرتضى علياو ذا الجناحين الفتى الكميا
و كان القتل يبين في أصحاب الحسين ع لقلة عددهم و لا يبين في أصحاب عمر بن سعد لكثرتهم و اشتد القتال و التحم و كثر القتل و الجراح في أصحاب أبي عبد الله الحسين ع إلى أن زالت الشمس فصلى الحسين بأصحابه صلاة الخوف. و تقدم حنظلة بن سعد الشبامي بين يدي الحسين ع فنادى أهل الكوفة يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب و قد خاب من افترى ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله.
الإرشاد ج : 2 ص :103- 105
اشتداد المعركة وقرب النهاية:
ثم رمى رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل رحمه الله بسهم فوضع عبد الله يده على جبهته يتقيه فأصاب السهم كفه و نفذ إلى جبهته فسمرها به فلم يستطع تحريكها ثم انتحى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله. و حمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله. و حمل عامر بن نهشل التيمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله. و شد عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله.
ثم جلس الحسين ع أمام الفسطاط فأتي بابنه عبد الله بن الحسين و هو طفل فأجلسه في حجره فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه فتلقى الحسين ع دمه فلما ملأ كفه صبه في الأرض ثم قال رب إن تكن حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير و انتقم لنا من هؤلاء القوم الظالمين
ثم حمله حتى وضعه مع قتلى أهله. و رمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع فقتله. فلما رأى العباس بن علي رحمة الله عليه كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من أمه و هم عبد الله و جعفر و عثمان يا بني أمي تقدموا حتى أراكم قد نصحتم لله و لرسوله فإنه لا ولد لكم فتقدم عبد الله فقاتل قتالا شديدا فاختلف هو و هانئ بن ثبيت الحضرمي ضربتين فقتله هانئ لعنه الله و تقدم بعده جعفر بن علي رحمه الله فقتله أيضا هانئ و تعمد خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي رضي الله عنه و قد قام مقام إخوته فرماه بسهم فصرعه و شد عليه رجل من بني دارم فاحتز رأسه. و حملت الجماعة على الحسين ع فغلبوه على عسكره و اشتد به العطش فركب المسناة يريد الفرات و بين يديه العباس أخوه فاعترضته خيل ابن سعد و فيهم رجل من بني دارم فقال لهم ويلكم حولوا بينه و بين الفرات و لا تمكنوه من الماء فقال الحسين ع اللهم أظمئه فغضب الدارمي و رماه بسهم فأثبته في حنكه فانتزع الحسين ع السهم و بسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه بالدم فرمى به ثم قال اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك ثم رجع إلى مكانه و قد اشتد به العطش و أحاط القوم بالعباس فاقتطعوه عنه فجعل يقاتلهم وحده حتى قتل رضوان الله عليه و كان المتولي لقتله زيد بن ورقاء الحنفي و حكيم بن الطفيل السنبسي بعد أن أثخن بالجراح فلم يستطع حراكا. و لما رجع الحسين ع من المسناة إلى فسطاطه تقدم إليه شمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فأحاط به فأسرع منهم رجل يقال له مالك بن النسر الكندي فشتم الحسين و ضربه على رأسه بالسيف و كان عليه قلنسوة فقطعها حتى وصل إلى رأسه فأدماه فامتلأت القلنسوة دما فقال له الحسين لا أكلت بيمينك و لا شربت بها و حشرك الله مع الظالمين ثم ألقى القلنسوة و دعا بخرقة فشد بها رأسه و استدعى قلنسوة أخرى فلبسها و اعتم عليها و رجع عنه شمر بن ذي الجوشن و من كان معه إلى مواضعهم فمكث هنيهة ثم عاد و عادوا إليه و أحاطوا به. فخرج إليهم عبد الله بن الحسن بن علي ع و هو غلام لم يراهق من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين فلحقته زينب بنت علي ع لتحبسه فقال لها الحسين احبسيه يا أختي فأبى و امتنع عليها امتناعا شديدا و قال و الله لا أفارق عمي و أهوى أبجر بن كعب إلى الحسين ع بالسيف فقال له الغلام ويلك يا ابن الخبيثة أ تقتل عمي فضربه أبجر بالسيف فاتقاها الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة فإذا يده معلقة و نادى الغلام يا أمتاه فأخذه الحسين ع فضمه إليه و قال يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك و احتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين.
ثم رفع الحسين ع يده و قال اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا و اجعلهم طرائق قددا و لا ترض الولاة عنهم أبدا فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا
و حملت الرجالة يمينا و شمالا على من كان بقي مع الحسين فقتلوهم حتى لم يبق معه إلا ثلاثة نفر أو أربعة فلما رأى ذلك الحسين دعا بسراويل يمانية يلمع فيها البصر ففزرها ثم لبسها و إنما فزرها لكيلا يسلبها بعد قتله. فلما قتل عمد أبجر بن كعب إليه فسلبه السراويل و تركه مجردا فكانت يدا أبجر بن كعب بعد ذلك تيبسان في الصيف حتى كأنهما عودان و تترطبان في الشتاء فتنضحان دما و قيحا إلى أن أهلكه الله. فلما لم يبق مع الحسين ع أحد إلا ثلاثة رهط من أهله أقبل على القوم يدفعهم عن نفسه و الثلاثة يحمونه حتى قتل الثلاثة و بقي وحده و قد أثخن بالجراح في رأسه و بدنه فجعل يضاربهم بسيفه و هم يتفرقون عنه يمينا و شمالا.
الإرشاد ج : 2 ص :109- 111
استشهاد الحسين رضوان الله عليه:
. فقال حميد بن مسلم فو الله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده و أهل بيته و أصحابه أربط جأشا و لا أمضى جنانا منه ع إن كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه و شماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب. فلما رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجالة و أمر الرماة أن يرموه فرشقوه بالسهام حتى صار كالقنفذ فأحجم عنهم فوقفوا بإزائه و خرجت أخته زينب إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقاص ويحك يا عمر أ يقتل أبو عبد الله و أنت تنظر إليه فلم يجبها عمر بشيء فنادت ويحكم أ ما فيكم مسلم فلم يجبها أحد بشيء و نادى شمر بن ذي الجوشن الفرسان و الرجالة فقال ويحكم ما تنتظرون بالرجل ثكلتكم أمهاتكم فحمل عليه من كل جانب فضربه ذرعة بن شريك على كفه اليسرى فقطعها و ضربه آخر منهم على عاتقه فكبا منها لوجهه و طعنه سنان بن أنس بالرمح فصرعه و بدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي لعنه الله فنزل ليحتز رأسه فأرعد فقال له شمر فت الله في عضدك ما لك ترعد. و نزل شمر إليه فذبحه ثم دفع رأسه إلى خولي بن يزيد فقال احمله إلى الأمير عمر بن سعد ثم أقبلوا على سلب الحسين ع فأخذ قميصه إسحاق بن حيوة الحضرمي و أخذ سراويله أبجر بن كعب و أخذ عمامته أخنس بن مرثد و أخذ سيفه رجل من بني دارم و انتهبوا رحله و إبله و أثقاله و سلبوا نساءه. قال حميد بن مسلم فو الله لقد كنت أرى المرأة من نسائه و بناته و أهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها ثم انتهينا إلى علي بن الحسين ع و هو منبسط على فراش و هو شديد المرض و مع شمر جماعة من الرجالة فقالوا له أ لا نقتل هذا العليل فقلت سبحان الله أ يقتل الصبيان إنما هو صبي و إنه لما به فلم أزل حتى رددتهم عنه.
الإرشاد ج : 2 ص : 112-113
عمر بن سعد ونهاية المعركة:
و جاء عمر بن سعد فصاح النساء في وجهه و بكين فقال لأصحابه لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النسوة و لا تعرضوا لهذا الغلام المريض و سألته النسوة ليسترجع ما أخذ منهن ليتسترن به فقال من أخذ من متاعهن شيئا فليرده عليهن فو الله ما رد أحد منهم شيئا فوكل بالفسطاط و بيوت النساء و علي بن الحسين جماعة ممن كانوا معه و قال احفظوهم لئلا يخرج منهم أحد و لا تسيئن إليهم. ثم عاد إلى مضربه و نادى في أصحابه من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه فانتدب عشرة منهم إسحاق بن حيوة و أخنس بن مرثد فداسوا الحسين ع بخيولهم حتى رضوا ظهره و سرح عمر بن سعد من يومه ذلك و هو يوم عاشوراء برأس الحسين ع مع خولي بن يزيد الأصبحي و حميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد و أمر برءوس الباقين من أصحابه و أهل بيته فنظفت و كانت اثنين و سبعين رأسا و سرح بها مع شمر بن ذي الجوشن و قيس بن الأشعث و عمرو بن الحجاج فأقبلوا حتى قدموا بها على ابن زياد. و أقام بقية يومه و اليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم نادى في الناس بالرحيل و توجه إلى الكوفة و معه بنات الحسين و أخواته و من كان معه من النساء و الصبيان و علي بن الحسين فيهم و هو مريض بالذرب و قد أشفى.
الإرشاد ج : 2 ص :113- 114
يتبع
|