شهادات تاريخية:
لقد اغتاظ كثير من المسلمين، لمِا رأوا من تعاون بيّنٍ، وتؤازر ظاهر، بين الشيعة وقوات التحالف الغازية، ضد إخوانهم من المسلمين في العراق، وفي أفغانستان، وكيف كان الشيعة في هذه البلدان، الدرع الذي درأ به الكفار ... في وجه المسلمين.
لكن التاريخ ينظر إلى هذا الحدث بعين هادئة، ولا يثير عنده هذا الأمر دهشة أو استغرابا، فقد اعتاد هذا المشهد، وتكرر أمامه بحيث أصبح حقيقة تاريخية، وأمرا معتادا، لا ينكره إلا من لم يكلف نفسه دراسة التاريخ، ولم يسمع شهادة الأيام.
لقد مر بك ما ترتبه الشيعة من الثواب على قتل السني، المنكر للإمامة، بل تنص رواياتهم على أن من استطاع قتله ولم يفعل، فعليه من الذنوب ما عليه، وله من العقاب ماله.
لذا فإن الشيعة تحرص كل الحرص على تنفيذ أوامر أئمتها المعصومين، وإليك بعض الوقائع، وليس كلها، فإن الأمر يحتاج إلى تجريد كتاب لهذا الموضوع،
لكني أسوق هنا ما يربط لك ما تقدم من النصوص بواقع هؤلاء الشيعة مع إخوانهم من المسلمين، يعطيك تجسيدا ملموسا لما تولد عن هذه النصوص والروايات، وما أدت إليه من المجازر والمذابح، منذ القرون الأولى.
1 - الوزير علي بن يقطين:
جاء في كتب الشيعة أن علي بن يقطين وهو وزير الرشيد: (قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدوا سقف الحبس على المحبوسين فماتوا كلهم وكانوا خمسمائة رجل، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم فأرسل إلى مولانا الكاظم فكتب عليه السلام إليه جواب كتابه، بأنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث إنك لم تتقدم إلي فكفر عن كل رجل قتلته منهم بتيس، والتيس خير منه» (الأنوار النعمانية ج2 ص308 والنصب والنواصب ص622) وهم يستدلون بهذه الرواية في باب جواز قتل النواصب، ومع أن الرواية نصت على كونهم مخالفين، وليسوا نواصب، فإنها أجازت قتلهم وسفك دمهم، ففيها دليل على أن الناصب عندهم هو المخالف، سواء جاهر بعداوة أهل البيت، أو لم يعادهم أصلا.
وبهذا يَبرز لنا هذا الوزير الشيعي كثمرة من ثمرات تلك الأحقاد التي غرست بعقيدة الولاية، وسقيت بنصوص التكفير.
2 - نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي:
لقد وصلت الأمة الإسلامية في أواخر الخلافة العباسية إلى حالة من الضعف والهوان، وتكالبت عليها الأكلة، وكان جيش المغول أكبر خطر كاد أن يقضي على الأمة الإسلامية ويستبيح بيضتها، لولا لطف الله.
فلقد اجتاحت جيوشهم العالم الإسلامي من شرق آسيا حتى وصلوا إلى بغداد، وملؤوا القلوب رعبا والبلدان دماء، ومسحوا مدنا كاملة عن آخرها. لكن بقيت بغداد معقل الخلافة، ومعقر العالم الإسلامي ... وهنا لعب هذين الرجلين أكبر دور في هذه الهزيمة، وسجَّلا أعظم خيانة لطخت أيادي الشيعة بالدماء، قبل أن تلطخ جبين الأمة الإسلامية بالعار، إلى اليوم.
فقد كان الطوسي وزيرا لهولاكو قائد التتر، وجاء معه في جيشه، وكان مقربا ومستشارا، فأشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل بغداد جميعا.
بينما هيأ الوزير الشيعي ابن العلقمي الظروف من الداخل، فسرح الجيوش، متعللا بعدم الحاجة إليهم، حتى بلغوا من القلة والذلة والضعف إلى حد أنه لم يبق منهم إلا عشرة آلاف، مستغلاً ضعف الخليفة وانشغاله بالشهوات، وكان في خلال ذلك يكاتب المغول ليهون عليهم شأن الخلافة ويشرح لهم الحال، ويدلهم على العورات.
وعندما وصل هولاكو إلى بغداد، كان ابن العلقمي أول من خرج بأهله وحشمه لاستقباله، وطلب من الخليفة أن يخرج للقائه ويعرض عليه الصلح مقابل نصف الخراج، وعندما خرج الخليفة في سبع مائة من العلماء والفضلاء والوجهاء، حجبوا عن الدخول إلى هولاكو إلا سبعة عشر نفسا، ثم قتلوا جميعا، وعندما رجع الخليفة إلى بغداد، حسن هذين الرجلين لقائد المغول قتل الخليفة، وقالوا إن الأمر لن يستمر على الصلح لو قبلته إلا عاما أو عامين، ثم يشتد عوده وتجتمع قوته، فيقاتلك.
لذلك عندما خرج إليه الخليفة بالهدايا والتحف، قتله وأهله وكل من معه، ودخل بغداد فقتل كل أهلها.
قال ابن كثير في وصف هذه المجزرة: «
ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون ، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ... وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان،
فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال،
وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعا منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضية، وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتيين، والله غالب على أمره ...
واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء»
(البداية والنهاية - ابن كثير - ج 13 - ص 235)