والحسين رضي الله عنه أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم وأهان بذلك من قتله أو أعان على قتله أو رضي بقتله وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء .
فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة وكانا قد تربيا في عز الإسلام لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على الأذى في الله ما ناله أهل بيته فأكرمهما الله تعالى بالشهادة تكميلا لكرامتهما ورفعا لدرجاتهما وقتله مصيبة عظيمة .
والله سبحانه قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى : (( وبشر الصابرين ، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون )) .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته واخلف له خيرا منها " .
ومن أحسن ما يذكر هنا أنه قد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث عندها استرجاعا كتب الله له مثلها يوم أصيب " هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التي شهدت مصرعه .
وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد فكان في محاسن الإسلام أن بلغ هو هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها فيكون للإنسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها المسلمون .
وأما من فعل مع تقادم العهد بها ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته أشد مثل لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية .
ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية " .
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : " أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الحالقة ; والصالقة ; والشاقة " .
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " .
والآثار في ذلك متعددة .
فكيف إذا انضم إلى ذلك ظلم المؤمنين ولعنهم وسبهم وإعانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى .
أثر الأحاديث الضعيفة و الموضوعة في ظهور البدع و انتشارها
وقوم من المتسننة رووا ورويت لهم أحاديث موضوعة بنوا عليها ما جعلوه شعارا في هذا اليوم يعارضون به شعار ذلك القوم فقابلوا باطلا بباطل وردوا بدعة ببدعة وإن كانت إحداهما أعظم في الفساد وأعون لأهل الإلحاد مثل الحديث الطويل الذي روي فيه : " من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام ومن اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام " وأمثال ذلك من الخضاب يوم عاشوراء والمصافحة فيه ونحو ذلك فإن هذا الحديث ونحوه كذب مختلق باتفاق من يعرف علم الحديث وإن كان قد ذكره بعض أهل الحديث وقال إنه صحيح وإسناده على شرط الصحيح فهذا من الغلط الذي لا ريب فيه كما هو مبين في غير هذا الموضع .
ولم يستحب أحد من أئمة المسلمين الاغتسال يوم عاشوراء ولا الكحل فيه والخضاب وأمثال ذلك ولا ذكره أحد من علماء المسلمين الذين يقتدى بهم ويرجع إليهم في معرفة ما أمر الله به ونهى عنه ولا فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي .
ولا ذكر مثل هذا الحديث في شيء من الدواوين التي صنفها علماء الحديث لا في المسندات : كمسند أحمد وإسحاق وأحمد بن منيع الحميدي والدالاني وأبو يعلى الموصلي ; وأمثالها .
ولا في المصنفات على الأبواب : كالصحاح ; والسنن .
ولا في الكتب المصنفة الجامعة للمسند والآثار مثل موطأ مالك ووكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور ; وابن أبي شيبة ; وأمثالها .
ثم إن أهل الأهواء ظنت أن من يفعل هذا أنه يفعله على سبيل نصب العداوة لأهل البيت والاشتفاء منهم فعارضهم من تسنن وأجاب عن ذلك بإجابة بين فيها براءتهم من النصب واستحقاقهم لموالاة أهل البيت وأنهم أحق بذلك من غيرهم .
وهذا حق .
لكن دخلت عليهم الشبهة والغلط في ظنهم أن هذه الأفعال حسنة مستحبة والله أعلم بمن ابتدأ وضع ذلك وابتداعه هل كان قصده عداوة أهل البيت أو عداوة غيرهم ؟ فالهدى بغير هدى من الله - أو غير ذلك - ضلالة .
ونحن علينا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا من الكتاب والحكمة ونلزم الصراط المستقيم ; صراط الذين أنعم الله عليهم ; من النبيين والصديقين والشهداء ; والصالحين ، ونعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق ; ونأمر بما أمر الله به وهو " المعروف " وننهى عما نهى عنه وهو " المنكر " ; وأن نتحرى الإخلاص لله في أعمالنا ; فإن هذا هو دين " الإسلام " .
قال الله تعالى : (( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) .
وقال تعالى : (( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا )) .
وقال تعالى : (( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ، قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون ، فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون )) .
وقال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) – إلى قوله – (( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه )) ، قال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة .
وقال تعالى : (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء )) .
وقال تعالى : (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة )) .
(عنوان3 المشاهد المضافة إلى كثير من الأنبياء و غيرهم هي كذب )
وليس الكذب في هذا المشهد وحده ; بل المشاهد المضافة إلى الأنبياء وغيرهم كذب .
مثل القبر الذي يقال له " قبر نوح " قريب من بعلبك في سفح جبل لبنان .
ومثل القبر الذي في قبلة مسجد جامع دمشق الذي يقال له " قبر هود " فإنما هو قبر معاوية بن أبي سفيان .
ومثل القبر الذي في شرقي دمشق الذي يقال له " قبر أبي بن كعب " فإن أبيا لم يقدم دمشق باتفاق العلماء .
وكذلك ما يذكر في دمشق من قبور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وإنما توفين بالمدينة النبوية .
وكذلك ما يذكر في مصر من قبر " علي بن الحسين " أو " جعفر الصادق " أو نحو ذلك هو كذب باتفاق أهل العلم .
فإن علي بن الحسين وجعفرا الصادق إنما توفيا بالمدينة وقد قال عبد العزيز الكناني : - الحديث المعروف - ليس في قبور الأنبياء ما ثبت إلا قبر " نبينا " قال غيره : وقبر " الخليل " أيضا .
سبب الاضطراب في تحديد بعض أمكنة القبور
وسبب اضطراب أهل العلم بأمر القبور أن ضبط ذلك ليس من الدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن تتخذ القبور مساجد فلما لم يكن معرفة ذلك من الدين لم يجب ضبطه .
فأما العلم الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه مضبوط ومحروس كما قال تعالى : (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )) .
وفي الصحاح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة " .
وأصل هذا الكذب هو الضلال والابتداع والشرك فإن الضلال ظنوا أن شد الرحال إلى هذه المشاهد ; والصلاة عندها والدعاء والنذر لها وتقبيلها واستلامها وغير ذلك من أعمال البر والدين حتى رأيت كتابا كبيرا قد صنفه بعض أئمة الرافضة " محمد بن النعمان " الملقب بالشيخ المفيد شيخ الملقب بالمرتضى وأبي جعفر الطوسي سماه " الحج إلى زيارة المشاهد " ذكر فيه من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وزيارة هذه المشاهد والحج إليها ما لم يذكر مثله في الحج إلى بيت الله الحرام .
وعامة ما ذكره من أوضح الكذب وأبين البهتان حتى أني رأيت في ذلك من الكذب والبهتان أكثر مما رأيته من الكذب في كثير من كتب اليهود والنصارى .
وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ; ليصدوا به الناس عن سبيل الله ، ويفسدوا عليهم دين الإسلام وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص الدين لله كما ذكره ابن عباس وغيره من السلف في قوله تعالى عن قوم نوح : (( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ، وقد أضلوا كثيرا )) ، قالوا : هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم .
وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه وبسطه وبينه في أول كتابه في قصص الأنبياء وغيرها .
ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما صنفوه واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ولرسوله حتى فتنوا أمما كثيرة وصدوهم عن دين الله .
وأقل ما صار شعارا لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من أئمة الدين ; بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين .
وأما المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فيخربونها فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناء على ما أصلوه من شعب النفاق وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم ونحو ذلك من ضلالتهم .
أول من ابتدع القول بعصمة علي و النص عليه
وأول من ابتدع القول بالعصمة لعلي وبالنص عليه في الخلافة هو رأس هؤلاء المنافقين " عبد الله بن سبأ " الذي كان يهوديا فأظهر الإسلام وأراد فساد دين الإسلام كما أفسد بولص دين النصارى وقد أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتل هذا لما بلغه أنه يسب أبا بكر وعمر حتى هرب منه كما أن عليا حرق الغالية الذين ادعوا فيه الإلهية وقال في المفضلة : لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري .
فهؤلاء الضالون المفترون أتباع الزنادقة المنافقون يعطلون شعار الإسلام وقيام عموده وأعظمه سنن الهدى التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ; بمثل هذا الإفك والبهتان فلا يصلون جمعة ولا جماعة .
ومن يعتقد هذا فقد يسوي بين المشاهد والمساجد حتى يجعل العبادة كالصلاة والدعاء والقراءة والذكر وغير ذلك مشروعا عند المقابر كما هو مشروع في المساجد .
وربما فضل بحاله أو بقاله العبادة عند القبور والمشاهد على العبادة في بيوت الله التي هي المساجد حتى تجد أحدهم إذا أراد الاجتهاد في الدعاء والتوبة ونحو ذلك قصد قبر من يعظمه كشيخه أو غير شيخه فيجتهد عنده في الدعاء والتضرع والخشوع والرقة ما لا يفعله مثله في المساجد ولا في الأسحار ولا في سجوده لله الواحد القهار .
وقد آل الأمر بكثير من جهالهم إلى أن صاروا يدعون الموتى ويستغيثون بهم كما تستغيث النصارى بالمسيح وأمه .
فيطلبون من الأموات تفريج الكربات وتيسير الطلبات والنصر على الأعداء ورفع المصائب والبلاء وأمثال ذلك مما لا يقدر عليه إلا رب الأرض والسماء حتى أن أحدهم إذا أراد الحج لم يكن أكثر همه الفرض الذي فرضه الله عليه وهو حج بيت الله الحرام وهو شعار الحنيفية ملة إبراهيم إمام أهل دين الله بل يقصد المدينة .
ولا يقصد ما رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة في مسجده حيث قال في الحديث الصحيح : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " .
ولا يهتم بما أمر الله به من الصلاة والسلام على رسوله حيث كان ومن طاعة أمره واتباع سنته وتعزيره وتوقيره وهو أن يكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين بل أن يكون أحب إليه من نفسه .
بل يقصد من زيارة قبره أو قبر غيره ما لم يأمر الله به ورسوله ولا فعله أصحابه ولا استحسنه أئمة الدين .
وربما كان مقصوده بالحج من زيارة قبره أكثر من مقصوده بالحج .
وربما سوى بين القصدين .
وكل هذا ضلال عن الدين باتفاق المسلمين .
النهي عن السفر لزيارة قبر هو رأي جمهور العلماء
بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور - قبر نبي أو غيره - منهي عنه عند جمهور العلماء حتى أنهم لا يجوزون قصد الصلاة فيه بناء على أنه سفر معصية لقوله الثابت في الصحيحين : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا " وهو أعلم الناس بمثل هذه المسألة .
وكل حديث يروى في زيارة القبر فهو ضعيف بل موضوع بل قد كره مالك وغيره من أئمة المدينة أن يقول القائل : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم .
وإنما المسنون السلام عليه إذا أتى قبره صلى الله عليه وسلم وكما كان الصحابة والتابعون يفعلون إذا أتوا قبره ; كما هو مذكور في غير هذا الموضع .
ومن ذلك الطواف بغير الكعبة وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الطواف إلا بالبيت المعمور فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالقبة التي في جبل عرفات ولا غير ذلك .
وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين ; فالحجر الأسود يستلم ويقبل واليماني يستلم . وقد قيل : إنه يقبل وهو ضعيف .
وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله ; كجوانب البيت والركنين الشاميين ; ومقام إبراهيم والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء والصالحين .
تحذير النبي صلى الله عليه و آله و سلم أن يقع لأمته ما وقع لليهود و النصارى
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وفي رواية لمسلم : " لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " .
وفي الصحيحين أيضا عن عائشة وابن عباس قالا : " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه : فإذا اغتم بها كشفها عنه وجهه ; فقال وهو كذلك : لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا .
وفي الصحيحين أيضا عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا .
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بخمس وهو يقول : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ; فإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " .
وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " رواه أهل السنن ; كأبي داود والترمذي وابن ماجه وعلله بعضهم بأنه روي مرسلا وصححه الحافظ .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : " لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له بعض نسائه أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة يقال لها : مارية .
وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتيا أرض الحبشة ; فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها .
فرفع رأسه فقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله " .
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " . رواه أهل السنن كأبي داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن وفي بعض النسخ صحيح .
وفي موطأ مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ; وفي سنن أبي داود عنه أنه قال : " لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر " .
وأما العبادات في المساجد : كالصلاة والقراءة والدعاء ، ونحو ذلك فقد قال تعالى : (( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها )) .
وقال تعالى : (( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة )) الآية ...
وقال تعالى : (( قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد )) الآية .
وقال تعالى . (( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا )) .
وقال تعالى : (( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه )) الآية .
وقال تعالى : (( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )) .
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة - وفي لفظ - صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم بخمس وعشرين درجة " .
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معي معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال : " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال : هل تسمع النداء بالصلاة ؟ قال : نعم . قال : فأجب " .
وفيه أيضا عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال : من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى .ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها خطيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين رجلين حتى يقام في الصف .
وهذا باب واسع قد نبهنا بما كتبناه على سبيل الهدى في هذا الأمر الفارق بين أهل التوحيد الحنفاء أهل ملة إبراهيم المتبعين لدين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وبين من لبس الحق بالباطل وشاب الحنيفية بالإشراك .
قال تعالى : (( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون )) .
وقال تعالى : (( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون )) .
وقال تعالى : (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )) .
وقال تعالى : (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء )) الآية .
وقال تعالى : (( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون )) .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
مجموع الفتاوى 4 / 498 فما بعدها بتصرف يسير