2 ـــ وذكر اللالكائي - أيضًا- ( ) سنده إلى ابن أبي حاتم الرازي في بيان معتقد أبيه وأبي زرعة، فقال: ((سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك ؟
فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم... )) فذكر أمورًا كثيرة منها: ((ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله - عز وجل - أمرنا، ولا ننـزع يدًا من طاعته، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة )).اهـ.
3 ـــ وقال النووي - رحمه الله تعالى -: ((وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام باجماع المسلمين - وإن كانوا فسقة ظالمين – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُهُ... )).اهـ.
ثم قال: ((قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الاجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث... ثم قال: قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم )).( ).اهـ.
4 ـــ قلّما تجد إمامًا مُصَنِّفًا في بيان معتقد أهل السنة؛ إلا ويذكر عدم الخروج على الولاة - وإن جاروا - والسمع والطاعة في المعروف، وجعلوا هذا من أصولهم، وأن من خالفهم في ذلك؛ فهو من أهل الأهواء والبدع، ومن المارقين عن الجماعة.
قال الأشعري في ((رسالة أهل الثغر))( ): ((وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى كل مَنْ وَليَ شيئًا من أمورهم عن رضًى أو غلبة، وامتدت طاعته - من برٍّ وفاجر- لا يلزم الخروج بالسيف جار أو عدل... )).اهـ.
وقال الإسماعيلي في ((اعتقاد أهل السنة)) ( ): ((ويروْن الدعاء لهم بالإصلاح، والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم )).اهـ.
5 ـــ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : ((... كان من العلم والعدل المأمور به: الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة)).اهـ.
وذكر ( ) كلامًا طويلًا، منه قوله - رحمه الله تعالى -: ((... ولهذا استقر أمر أهل السنة على تَرْك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصاروا يَذْكُرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة، وترْك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خَلْقٌ كثير من أهل العلم والدين... ((إلى أن قال: ))... ولم يُثْنِ - أي: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أحد لابقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولانَزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة )).اهـ.
وقال شيخ الإسلام ( ) بعد أن بين أن مفسدة الخروج على الولاة تربو على مصلحته: ((ولهذا كان مذهب أهل الحديث: ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم، إلى أن يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر )).اهـ.
وقال - أيضًا -: ((ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء-كالمعتزلة- فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم...)). ( ) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى -: ((وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يُرَخِّصون لأحد فيما نهى الله عنه: من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم )).( ) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى -: ((ولا يُزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يُخْرَج عليهم بالسلاح، وتقام الفتنة، كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، كما دلت عليه النصوص النبوية، لما في ذلك من الفساد الذي ( يربو ) على فساد ما يكون من ظلمهم... )).( ) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى -: ((ومن أصول هذا الموضع: أن مجرد وجود البغي من إمام أو طائفة؛ لا يوجب قتالهم، بل لا يبيحه، بل من الأصول التي دلت عليها النصوص: أن الإمام الجائر الظالم يُؤْمر الناس بالصبر على جوره، وظلمه، وبغيه، ولا يقاتلونه... ))( ) .اهـ. كلامه - رحمه الله تعالى -.
6 ـــ وقال الإمام ابن القيم في ((حادي الأرواح))( ):
((هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الآثار، وأهل السنة المتمسِّكين بها، المقْتَدَى بهم فيها من لدن أصحاب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى يومنا هذا، وأدركتُ من أدركتُ من علماء أهل الحجاز، والشام، وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مخالف، مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسْنا، وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم ...)) فذكر أمورًا، وفيها: ((... والانقياد لمن ولاّه الله - عز وجل - أمْركم، ولا تنـزع يدًا من طاعة، ولا تخرج عليه بسيف، حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولاتنكث بيعته، فمن فعل ذلك؛ فهو مبتدع، مخالف، ومفارق للجماعة...)). .اهـ.
وقال- رحمه الله تعالى -:
((فصْل فيما اجتمعت عليه الأمة من أمور الديانة، من السنن التى خلافها بدعة وضلالة...)) فذكر أمورًا، ومنها:
(( والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكُلُّ من وَلىَ أمر المسلمين عن رضًى أو عن غلبة، واشتدت وطْأته من بَرٍّ أو فاجر؛ فلا يُخرج عليه: جار، أو عدل... )).
إلى أن قال: ((وكل ما قَدمنا ذكره: فهو قول أهل السنة، وأئمة الدين، والفقه، والحديث على ما بيَّنَّاه )).( ) .اهـ.
7 ـــ ذكر الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب))( ) في ترجمة الحسن بن صالح بن حي، أن منهم من قال فيه: كان يرى السيف، فقال الحافظ: ((وقولهم:كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك؛ لما رأَوْه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحَرَّة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما؛ عِظةٌ لمن تدبّر )).اهـ.
8 ـــ وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - رحمه الله تعالى -:
)) ولم يَدْرِ هؤلاء المفتونون: أن أكثر ولاة أهل الإسلام، من عهد يزيد بن معاوية - حاشا عمر بن عبد العزيز ومن شاء الله من بني أمية- قد وقع منهم من الجراءة، والحوادث العظام، والخروج، والفساد في ولاية أهل الإسلام، ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام، والسادة العظام معهم معروفة مشهورة: لا ينـزعون يدًا من طاعة فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام، وواجبات الدين... )).( ) .اهـ.
ومعلوم أن هذا الحكم في السمع والطاعة ليس خاصًّا بالأمراء العادلين، بل هو شامل للجائرين أيضًا، وذلك لأمور:
أ ـــ أن هذا مقتضى الأدلة الواردة في الباب.
ب ـــ أن الأئمة الذين صرَّحوا بذلك لم يكونوا معاصرين لأمراء العدل والاستقامة، بل عاصروا الجَورة من الحكام، وما كانوا ليذكروا ما ذكروا على زمان قد مضى، ويبقى كلامهم بعيدًا عن الواقع، والناس في أمسِّ الحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي في زمانهم الحاضر!!
ج ـــ أن من هؤلاء الأئمة من صرَّح بأن هذا الحكم شامل لأهل العدل والجوَرة من الحكام، ومنهم من أوصى بالصبر حتى يجعل الله للناس فرجًا ومخرجًا، ولا يكون ذلك في زمن الأئمة العادلين الصالحين، كما لا يخفى، والله أعلم.