عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2026-01-09, 07:26 PM
أبو جهاد الأنصاري أبو جهاد الأنصاري غير متواجد حالياً
أنصارى مختص بعلوم السنة النبوية
 
تاريخ التسجيل: 2007-07-22
المكان: الإسلام وطنى والسنة سبيلى
المشاركات: 8,469
افتراضي سقوط غرناطة… سنن تتكرر وواقع يُعاد

سقوط غرناطة… سنن تتكرر وواقع يُعاد
بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل الإسلام في الأندلس سنة 1492م، بدأت واحدة من أظلم الصفحات في تاريخ المسلمين؛ حيث تعرّض أهل الأندلس من المسلمين للقتل والتهجير والتنصير القسري، وأُقيمت محاكم التفتيش التي لم ترحم شيخًا ولا طفلًا ولا امرأة، في ظل خذلانٍ إسلاميٍّ مؤلم، وصمتٍ مطبق من الممالك والدول التي كان بوسعها النصرة فلم تفعل.

وفي السنة نفسها، نجح الصليبيون الإسبان – بقيادة كريستوفر كولومبوس – في الوصول إلى القارتين الأمريكيتين، ليبدأ بذلك عصر الاستعمار الأوروبي، الذي لم يكن توسعًا جغرافيًا بريئًا، بل مشروعًا عقديًا قائمًا على النهب، والإبادة، والتنصير القسري، ومحاربة الإسلام وأهله.

وبسبب التنافس بين مملكة قشتالة (إسبانيا) ومملكة البرتغال على اقتسام العالم، لجأ الطرفان سنة 1494م إلى بابا الفاتيكان ليكون حكمًا بينهما، فقُسِّم العالم بقرار كنسي، وكأن شعوبه متاع يُتداول، واشترطت الكنيسة على الطرفين نشر النصرانية بالقوة، وتكرار مأساة الأندلس في كل أرض يصلون إليها، وخاصة ديار المسلمين.

فتم توقيع اتفاقية تورديسيلاس في 7 يونيو 1494م، حيث رسم البابا ألكسندر السادس خطًا وهميًا من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، فجعل ما غرب الخط لإسبانيا، وما شرقه للبرتغال. وكان في ذلك إيذانًا بوصول الاستعمار البرتغالي إلى البلاد الإسلامية في الشرق، ووصول الإسبان إلى بلاد المغرب وشمال إفريقيا، فبدأت موجة طويلة من الدم والخراب.

وما أشبه حال المسلمين اليوم بحالهم قبيل سقوط غرناطة؛ خذلان، وفرقة، وركون إلى الدنيا، وصمت عن نصرة المستضعفين، وكأن التاريخ لا يعيد نفسه، مع أن سنن الله لا تحابي أحدًا.

لقد ذاقت كل دولة إسلامية خذلت غرناطة من نفس الكأس؛ فما إن سقطت الأندلس، حتى جاء الدور على المسلمين في غرب إفريقيا وشرقها، وفي الخليج العربي، والبحر الأحمر، والهند، وإندونيسيا. فتعرضت هذه البلاد لما تعرض له مسلمو الأندلس من قتل ونهب وتشريد، على يد الاستعمار الصليبي البرتغالي والإسباني.

ولو أن بعض الدول الإسلامية تحركت يومها، وبذلت ما تستطيع لفك الحصار عن غرناطة ومنع سقوطها، لما اضطر المسلمون لاحقًا إلى مواجهة العدو في عقر ديارهم، وعلى سواحلهم، وأمام عواصمهم.

فالمسلم الذي كان في مصر أو جزيرة العرب، وظن أن الأندلس بعيدة عنه، مرّت عليه الأيام ليجد السفن البرتغالية تطوق تجارته، وتنهب خيراته، وتقتل بحارته، وتأسر أهله، وتحاصر اقتصاده، وتفسد في شواطئ البحر الأحمر وبحر العرب. حتى احتل البرتغاليون الخليج العربي، وسواحل الهند واليمن، وبلغ بهم الإجرام أن خططوا لنبش جسد النبي ﷺ واحتلال مكة والمدينة، لولا أن الله دفع كيدهم.

وكأن الله – سبحانه – قد كتب على الأمة، وفي مقدمتها المتخاذلون، أن يذوقوا مرارة سقوط الأندلس، وجوع أهلها، وحصارهم، وذلهم، ومحاكم التفتيش التي سلطت على عقيدتهم وأعراضهم.

فكيف إذا كان العدو اليوم على الأبواب، يهدد ليلًا ونهارًا بإقامة كياناته على أنقاض دويلات ضعيفة، وما بعد المحاصَرين إلا العواصم، ثم الحرمين الشريفين، كما كانت غرناطة بالأمس؟

﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾


الدروس والعِبر

1- الخذلان سبب الهزيمة: ما سقطت الأندلس لقوة العدو فقط، بل لتفرق المسلمين وتخاذلهم عن نصرة إخوانهم.

2- العدو لا يكتفي بحدود: من لم يُواجه في البعيد، سيُواجه في القريب، ومن رضي بالظلم اليوم، ذاقه غدًا.

3- سُنن الله لا تتغير: قال تعالى:

﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾

فمن تخلّى عن دينه ونصرته، سُلِّط عليه أعداؤه.

وحدة العقيدة قبل وحدة الجغرافيا: اجتماع الكلمة على التوحيد والاتباع هو أساس القوة والعزة.

نصرة المستضعفين فريضة: قال النبي ﷺ:

«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله»
والخذلان باب من أبواب العقوبة.

الاعتبار بالتاريخ عبادة: قراءة التاريخ ليست ترفًا، بل فقهٌ للواقع واستعدادٌ للمستقبل.

نسأل الله أن يوقظ الأمة من غفلتها، وأن يردها إلى دينه ردًا جميلًا، وأن يجعلنا ممن يعتبرون ولا يغترون، ويتعظون قبل فوات الأوان.
__________________
قـلــت :
[LIST][*]
من كفر بالسـّنـّة فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ، لأن الله تعالى يقول : (( وما آتاكم الرسول فخذوه )).
[*]
ومن كذّب رسولَ الله ، فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ،لأن القرآن يقول : (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )).
[*]
ومن كذّب أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ، لأن الله سبحانه يقول فيهم : (( رضى الله عنهم ورضوا عنه )).
[*]
ومن كذّب المسلمين فهو على شفا هلكة ، لأن القرآن يقول : (( يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )) والنبي - صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قال هلك الناس فهو أهلكهم ).
[/LIST]
رد مع اقتباس