من الأدلةُ القرآنيةُ على حجيةِ السنةِ النبوية
الحمدُ لله والصلاةُ والسلام على رسول الله وبعد ،،،
للحق أهلُهُ، كما أنَّ للباطل أهلَه، وكِلا الفريقينِ يدّعي أنه على الحقِّ ومن خالفه على الباطل، وكلا الفريقينِ يحشدُ الأدلةَ لإثبات صحةِ مذهبِه، وبطلانِ مذهبِ مُخالفه، وسيظلُّ الأسلوبُ الأمثلُ والأقوى للمحاجةِ أن تستخدمَ أدلةَ الخصمِ في إثباتِ صحةِ مذهبِك وبطلانِ مذهبِه.
ويحلو لمنكري السنة -على اختلاف دركاتهِم- أن يجحدوا حجيةَ السنةِ النبويةِ في التشريعِ جنباً إلى جنبٍ مع القرآنِ الكريم. وغنيٌّ عن البيانِ أنهم في هذا قد أنكروا صريحَ القرآنِ وما أجمع عليه أهلُ الإسلام -منذ عهدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى الآن- من اعتبارِ السنةِ المصدرَ الثاني للتشريع في الإسلام.
ولا أملُّ من ذِكر أن السنةِ النبويةِ ليست في حاجةٍ لأن نثبتَ حجيتَها في التشريع الإسلاميِّ، فأدلةُ حجيةِ السنةِ متواترةٌ ومتضافرةٌ ولا يمكنُ أن نذكرَ عددَ ولا حجمَ ولا قوةَ تلك الأدلةِ حتى نذكرَ قولَ الشاعر:
قد تُنكرُ العين ضَوءَ الشمسِ من رمدٍ ****** ويُنكرُ الفمُ طَعمَ الماءِ من سَقمِ
وقولَ الشاعر:
ولربما جهِلَ الفتى سُبُلَ الهدى****** والشمسُ بازغةٌ لها أنوارُ
فأدلةُ حجيةِ السنةِ منها ما هو أدلةٌ شرعيةٌ ومنها ما هو أدلةٌ عقلية، ولكني سأعمدُ إلى ما ذكرتُه في بداية مقالي من أن أَمثَلَ أُسلوبٍ لمحاجةِ الخصمِ هو استخدامُ أدلتِه لإثباتِ صحةِ مذهبِنا وفسادِ مذهبِه.
فطائفةٌ من منكري السنةِ ينكرونها بدعوى أنها تُعارضُ القرآنَ الكريم، ويدَّعون أن القرآنَ الكريمَ هو المصدرُ التشريعيُّ الوحيدُ فيالإسلام، ودون أن نخوضَ في تفصيلاتٍ كثيرةٍ يتضحُ بها فسادُ وبطلانُ منهجِ منكري السنة، سأُعرّجُ -سريعاً- على اتباعِ المنهج الذي حددتُه والخطُّ الذي رسمتُه لنفسي سابقاً، وأقولُ إن القرآنَ الكريم هو أعظمُ دليلٍ على حجيةِ السنةِ النبويةِ المطهرةِ في التشريعِ الإسلاميّ.
وعادةً ما يستدلُّ علماؤنا ودعاتُنا بآياتٍ معينةٍ ظاهرةِ الدلالةِ في إثباتِحجيةِ السنةِ النبويةِ، ولكنى أرى أن الأمرَ أكثرُ من هذا، فبإمعانِ النظرِ والتدبرِ فيالقرآن الكريم، قد نكتشفُ أن كلَّ آيةٍ من آياتِ القرآنِ الكريمِ تُعدُّ دليلاً على حُجيةِ السنةِ النبوية.
أولاً : الآياتُ القرآنيةُ التي تنصُّ صراحةً على حجيةِ السنةِ النبويةِ (وجوبُ طاعةِ الرسولِ وتحذيرُ تاركها).
ويكفينا هنا أن نوردَ تلك الآياتِ ولسنا بحاجةٍ كبيرةٍ إلى تفسيرِها فكثرتُها ودلالتُها الظاهرةُ تُغني عن تفسيرِها ولكننا سنشيرُ –بإيجازٍ– إلى أحدِ أوجُهِها الاستدلالية.
1- قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].
وجه الاستدلال: القرآنُ يحكمُ بالكفرِ على من يعصي اللهَ ورسولَه.
2- وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
وجه الاستدلال: صدْرُ الآيةِ يصفُ الذين يطيعون اللهَ ورسولَه بالإيمان، فهي كالمتممةِ لسابقتِها.
3- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 20–22].
وجه الاستدلال: هذه الآيةُ جمعت بين كلا الأمرين: الأمرُ والنهيُ وتصفُ المخالفينَ لهما بالدواب.
4- قال تعالى : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54].
وجه الاستدلال: هذه الآيةُ سابقةٌ لآيةِ الاستخلاف: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] وكأنها تقولُ أنه لا استخلافَ في الأرضِ ولا تمكينَ إلا بطاعةِ اللهِ واتباعِ الرسول صلى الله عليه وسلم فهي كالسببِ للنتيجة.
5- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
وجه الاستدلال: تنصُّ الآيةُ على أن مخالفةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من أسبابِ بطلانِ الأعمال.
6- قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِيقُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14].
وجه الاستدلال: الآيةُ تبينُ أنه لا إيمانَ إلا بطاعةِ اللهِ ورسولِه.
7- قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13-14].
وجه الاستدلال: هذه الآيةُ جاءت بالثوابِ لمن يُطيعُ اللهَ ورسولَه وبالعقابِ لمن يعصي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
8- قال تعالى : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
وجه الاستدلال: هذه الآيةُ جاءت بالدرجةِ في الجنةِ وتعيينِ جزاءِ من يطِيعُ اللهَ ورسولَه.
9- قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
وجه الاستدلال: هذه الآيةُ جاءت بالقاعدةِ العظمى التي تبينُ أن طاعةَ الرسولِ هي طاعةٌ للهِ سبحانه بلا خلاف.
10- قال تعالى : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَاللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51–52].
وجه الاستدلال: تخبرُنا هذه الآيةُ أن من صفاتِ المؤمنين طاعةَ اللهِ ورسولِه.
11- قال تعالى : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71].
وجه الاستدلال: آيةٌ من سورةِ الأحزابِ تبينُ أن طاعةَ اللهِ ورسولِه من أسبابِ النصرِ في الدنيا والفوزِ بسعادةِ الآخرة، وتُذكرُهم بما كان من أثرِ مخالفةِ أمرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُدٍ وكأنها تدعوهم لعدم تكرارِ الأمرِ حتى لا تتكررَ النتيجة.
12- قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 17].
وجه الاستدلال: آيةٌ من سورة الفتحِ تخبرُ أن مِن أهمِّ أسبابِ الفتح طاعةَ اللهِ ورسولِه.
13- قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأحزاب: 71].
وجه الاستدلال: هذه الآيةُ تبينُ أن من صفاتِ المؤمنين: الموالاةَ فيما بينهم، والأمرَ بالمعروفِ، والنهيَ عن المنكر، وإقامةَ الصلاة، وإيتاءَ الزكاة، وطاعةَ الله، وطاعةَ رسولِه، فجاءت طاعةُ اللهِ ورسولِه من جملةِ الأعمالِ الصالحةِ ومن جملةِ صفاتِ المؤمنين.
14- قال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 32-33].
وجه الاستدلال: تبينُ الآيةُ أن نساءَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَسن مَعفياتٍ من طاعتِه ومن ثَم فمَن دونهُن هو أولى بحُكمهِن. كما تُبين الآيةُ أن في طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولِه إذهابٌ للرجسِ وتطهيرٌ للمسلم.
15- قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].
وجه الاستدلال: هذه هي آيةُ المحنةِ والاختبارِ لكل من يَدعي حُبَّ اللهِ سبحانه وتعالى، وتُقَيدُ هذا الحبَّ باتباعِ النبيّ – صلى الله عليه وسلم – وأن نتيجةَ ذلك وجزاءَه، مغفرةُ الذنوب.
16- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 130–132].
وجه الاستدلال: القرآنُ الكريمُ ينهى عن الربا ، ولم يُحددْ تعريفَه ولا ماهيتَه، ثم يأمرْ بطاعةِ الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي سيبينُ معنى الربا ويُحددُ ماهيتَه في سُنته.
17- قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92].
وجه الاستدلال: هذه الآيةُ تكشفُ طاعتين: الأولى لله سبحانه، والثانيةَ للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لترُد شبهةَ من يَدعي أن طاعةَ الرسولِ هي الأخذُ بالقرآن دون السنة. وسيأتي – بإذن الله – مزيدُ بيانٍ حول هذه المسألة.
18- قال تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] ثم يتكرر الأمر في نفس السورة : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] ثم يتكررُ الأمرُ نفسُه في السورةِ نفسِها للمرةِ الثالثة: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
وجه الاستدلال: ثلاثُ أوامرَ بطاعةِ الله ورسولِه في سورةٍ واحدةٍ، ولولا السنةُ والأحاديثُ ما علِمنا ما هي الأنفال.
19- قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56].
وجه الاستدلال: اقتصرت هذه الآيةُ على طاعةِ الرسولِ ولم تذكرْ (طاعةَ الله) لبيانِ استقلاليتَها عن طاعةِ اللهِ سبحانه، كما جاءت الايةُ في إطارِ الأمرِ بإقامةِ الصلاةِ وأداءِ الزكاةِ للإشارةِ إلى أن السنةَ هي المبينةُ لماهية كِليهما.
20- قال تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13].
وجه الاستدلال: يتكررُ الأمرُ نفسُه بطاعةِ النبيِّ في سياقِ آياتٍ تشيرُ إلى أن مناجاةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ليست كمناجاةِ أحدٍ من باقي الأمةِ ومن ثَمّ فإن طاعتَه ليست كطاعةِ أحدٍ من أُمتِه.
21- قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن: 12].
وجه الاستدلال: الأمرُ بطاعةِ الرسول يأتي في سياقِ آياتٍ تتحدثُ عن ضرورةِ تصديقِ الرسلِ وبيانِ عقابِ الذين خالفوهم : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: 5-6]
22- قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64].
وجه الاستدلال: التأكيدُ على طاعةِ الرسولِ بعينِها وأن هذه هى سنةُ اللهِ في أنبيائِه أجمعين، وقال تعالى: {ليطاعَ بإذن الله} ولم يقل: "ليطاع الله" ليُعلمَ أن طاعةَ الرسلِ هدفٌ في ذاتِها.
23- قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وجه الاستدلال: احتياجُنا لحكمِ الرسول صلى الله عليه وسلم رغم وجودِ القرآنِ يشيرُ إلى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يبينُ لنا الأحكامَ التي ينغلقُ علينا فهمُها من القرآنِ الكريم، وهذا دليلٌ قاطعٌ على حجيةِ السنة.
24- قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 52 – 53]
وجه الاستدلال: هذا كلامُ الحوارييّنَ لعيسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، وهم يُقرون باتباعِهم له، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم في هذا أولى، لأنه خاتمُ النبيين. وتبينُ الآيةُ أن التصديقَ وحدَه لا يكفي، ولكن لا بُد من الاتباع، والاتباعُ لا يكون إلا بالعمل، والعملُ لايكونُ إلا بمنهج، ومنهجُ الرسولِ هو سنتُه، ولو لم تكنْ السنةُ لكان من الأولى أن يكون الخطابُ: "ربنا آمنا بما أنزلتَ واتبعناه"، ولكن هذا لم يكن، للدلالةِ على حجيةِ السنة.
شبيهٌ بذلك:
25- قولُه تعالى : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَاللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
وجه الاستدلال: كيف تكونُ الأسوةُ إلا باتباعِ خُطى المؤتسى به وانتهاجِ نهجِ المقتدى به؟!!
26- قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
وجه الاستدلال: الإعراضُ عن سنةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم من مَشاقتِه، والآيةُ تؤكدُ على ضرورةِ اتباعِ سبيلِ المؤمنينَ الذين نقلوا لنا هذا الدينُ والذين أجمعوا بلا خلافٍ من واحدٍ منهم على حجيةِ السنةِ الشريفة.
27- قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 32]
وجه الاستدلال: الجمعُ بين الكفرِ بالله، والصدُّ عن سبيلِه، ومشاقةِ الرسول، لبيانِ شناعةِ الجرمِ في كلٍ.
28- قال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]
وجه الاستدلال :تأويلُها تنزيلُها.
29- قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. [الأعراف: 156–157]
وجه الاستدلال :الآيةُ تَنسبُ إلى النبيّ الأمرَ والنهيَ والحِلَّ والتحريم، وتصفُ مُتبعيه بالإيمان، وتذكرُ: {النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} عامةً، ولم تذكر القرآنَ خاصة.
30- قال تعالى : {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 1–5].
وجه الاستدلال: طالما أن القرآنَ يصفُ النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه لا ينطقُ عن الهوى، وأنه ينطقُ بالوحيِ، فلا شكَّ أن ما ينطقُ به ملزِمٌ لأُمتِه. وخصوصُ سببِ نزولِ الآيةِ لا ينفي عمومَ لفظها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
__________________
قـلــت : [LIST][*] من كفر بالسـّنـّة فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ، لأن الله تعالى يقول : (( وما آتاكم الرسول فخذوه )). [*] ومن كذّب رسولَ الله ، فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ،لأن القرآن يقول : (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )). [*] ومن كذّب أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو كافر بالسنة وكافر بالقرآن ، لأن الله سبحانه يقول فيهم : (( رضى الله عنهم ورضوا عنه )). [*] ومن كذّب المسلمين فهو على شفا هلكة ، لأن القرآن يقول : (( يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )) والنبي - صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قال هلك الناس فهو أهلكهم ). [/LIST]
|