عند تأملنا لمجريات أحداث مقتل الحسين رضي الله عنه نجد مواقف إيجابية بالغة لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية رحمه الله، وتلك المواقف موجودة في كثير من كتب التاريخ والمراجع والمصادرة الإسلامية، وهي تنافي الصورة السلبية التي يحاول الشيعة بكل الوسائل رسمها لأمير المؤمنين يزيد رحمه الله وتحميله مسئولية مقتل الحسين في تلك الواقعة، وأنه سبى بناته وأهان أولاده وفرح بمقتله وغيرها من الأكاذيب التي لا خطام لها ولا زمام، وهذه المرويات في مواقف يزيد الإيجابية جديرة بالأخذ والمتابعة لسبب أنها لم تصدر ممن له توجه بدعي، وهو الذين يدفعهم انحرافهم العقدي إلى التلاعب بالتاريخ، فإن الشيعة أكثروا من مروياتهم المكذوبة الموضوعة في محاولة تشويه مكانة أمير المؤمنين يزيد، وأما الناصبة فقد كانوا أبعد عن الكذب وتلفيق الروايات ولكنهم كانوا في نفس الوقت يسبون الحسين ويبغضونه ويلعنونه، ولا حاجة بهم لذكر حزن يزيد عليه أو إكرامه لأبنائه، ولذلك فإن هذه المرويات أخبار سنية بامتياز جديرة بالأخذ والمتابعة كما ذكرنا، فننظر الآن إلى أهم تلك المرويات الموثقة.
أولا: محاولات يزيد ثني الحسين عن الخروج قبل أن يتحرك الحسين من الحجاز...
لما بلغ يزيد بن معاوية أن الحسين بن علي يعزم على الخروج من الحجاز كان أول ما فعله أن أرسل إلى شيخ بني هاشم في وقته وزمانه عبدالله بن عباس رضي الله عنه، يذكره فيها الله والرحم، وأن عليه نهي ابن عمه عن الخروج، حتى لا يحصل التصادم والقتال، فكان مما جاء في رسالته: (ونحسب أن رجالاً أتوه من المشرق فمنّوه الخلافة، فإن عندك منهم خبرة وتجربة، فإن كان فعل فقد قطع وشائج القرابة وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة) انظر تهذيب الكمال 6-419
فأرسل ابن عباس رضي الله عنه لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية بخطاب يقول فيه بعد السلام والتحية: (إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة وتطفي بها الثائرة) انظر سير أعلام النبلاء 3/304
كما نظم يزيد أبياتا أرسلها لابن عباس رضي الله عنه وإلى غيره من أعيان بني هاشم في مكة والمدينة، وبعض أعيان قريش من غيرهم يقول فيها:
يا أيها الراكب الغادي لطيته،،، على عُذَاقِرةِ في سيرها قحم
أبلغ قريشاً على نأي المزار بها،،، بيني وبين حسين الله والرحم
يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خمدت،،، وأمسكوا بجبال السلم واعتصموا
انظر البداية والنهاية 11/505
وقد أدى انتشار هذه الأبيات وتناقلها بقدوم الكثير من الصحابة والعلماء إلى الحسين رضي الله عنه، ينهونه عن الخروج على إمامه، والتفريق بين المسلمين، ولكن الحسين كان قد اختار اجتهاده بالخروج وأن فيه المصلحة والخير وخالف الناصحين، فممن وفد عليه ينصحه حتى لا يخرج:
أبوسعيد الخدري رضي الله عنه حيث قال: غلبني الحسين على الخروح وقد قلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك، انظر تهذيب الكمال 6-461، الطبقات 4/445
وكذلك الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنه القائل: كلمت حسيناً فقلت له اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض فوالله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني، انظر الطبقات الكبرى تحقيق السلمي 4-445
وكذلك أبو واقد الليثي رضي الله عنه وقال: بلغني خروج الحسين، فأدركته بملل، فناشدته الله ألا يخرج، فإنّه يخرج في غير وجه خروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع، انظر مختصر تاريخ دمشق 7/139
وغيرهم الكثير، وليس هذا مجال بسط هذه المادة، وإنما إشارة لتأثير رسائل يزيد بن معاوية وأبياته ومناشدته بني هاشم وقريش الله والرحم أن يمنعوا الحسين حتى لا يحصل ما لا يحمد عقباه...
ثانيا: رسائل وتوجيهات يزيد لأمير العراق لما خرج الحسين من الحجاز يريد العراق...
عندما علم يزيد بخروج الحسين رضي الله عنه من الحجاز إلى العراق أرسل لوالي العراق عبيدالله بن زياد بن أبيه يحذره ويقول له: بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلاد وابتليت به من بين العمال، وفي مثلها تعتق أو تعود عبداً كما تعتبد العبيد، يوصيه بحسن التصرف وأن لا تصبح مسبة الدهر عليه في سوء تعامله، انظر مجمع الزوائد 9/139، والمعجم الكبير 3/115
كما كتب مروان بن الحكم رضي الله عنه شيخ بني أمية لابن زياد يقول له: أما بعد فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، وإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء ولا ينساه العامة، ولا يدع ذكره، والسلام عليك، انظر تهذيب الكمال 6/422، والطبقات
5/167
ثالثا: موقف أمير المؤمنين يزيد لما وصلته أخبار المعركة ونتائجها...
لما انتهت المعركة وقتل الحسين رضي الله عنه، أرسل والي العراق عبيدالله بن زياد إلى يزيد بن معاوية بنتائج المعركة وما حصل فيها، ويستشيره ماذا يفعل في أبناء الحسين ونسائه الذين جاؤوا مع الحسين وصاروا في العراق، فلما وصل الرسول إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رحمه الله بكى، وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، كذلك عاقبة البغي والعقوق، لعن الله ابن مرجانة (يقصد ابن زياد) لقد وجده بعيد الرحم منه، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، انظر أنساب الأشراف 3/220
ثم قال يزيد لبعض جلسائه: أما والله لو كنت صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا ببعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه، انظر تعليقات الأباطيل للجوزقاني 1/256
ثم أمر ابن زياد بإرسال أولاد ونساء الحسين معززين مكرمين إلى الشام، وهذا ما حصل.
رابعا: التعامل الراقي ليزيد بن معاوية مع من جاءه من نساء وأولاد الحسين رضي الله عنه...
أول ما وصل الوفد الحسيني إلى الشام فدخلوا على يزيد تكلمت فاطمة بنت الحسين رحمها الله فقالت: فاطمة بنت الحسين: يا يزيد: أبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا قال: بل حرائر كرام: أدخلي على بنات عمك تجديهن قد فعلن ما فعلت. قالت فاطمة: فدخلت إليهن فما وجدت فيهن سفيانية إلا ملتزمة تبكي، انظر تاريخ الطبري 6/395
وأمر يزيد نساء بني أمية بالشام أن يقمن الأحزان على موت الحسين رضي الله عنه، وأن يواسين نساء الحسين وبناته، وهذا ما كان...
وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى ولا يتناول طعامه إلا ويدعو علي بن الحسين الملقب زين العابدين في فترة بقائه عنده، انظر الطبقات 5/397
وأرسل يزيد بن معاوية رحمه الله إلى كل نساء الهاشميين في الشام يسألها ما فقدت من مالها أو متاعها في تلك الحرب، فكان يضعف لكل واحد منها ما تذكر مما فقدته أو أضاعته من مالها، انظر تاريخ الطبري 6/395، والطبقات 5/397
ولا يصح من شيء من أكاذيب الشيعة ومن تأثر بهم من نقل رأس الحسين إلى يزيد ونكثه بالقضيب بين ثناياه، بل الذي فعل هذا ابن زياد كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر الفتاوى 2/، وحقبة التاريخ 141
ثم أرسل يزيد بن معاوية لموالي بني هاشم في المدينة والحجاز أن يقدموا للشام، فلما قدموا أمر يزيد النعمان بن بشير رضي الله عنه أن يجهز نساء وأبناء الحسين بن علي ومن معهم بما يحتاجون، وأمر لهم بكل شيء يريدونه من المال والمتاع، انظر تاريخ الطبري 6/392
ثم كلم يزيد بن معاوية رحمه الله علي بن الحسين رحمه الله فقال له: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك، وتعرف لك حقك، فعلتَ، انظر سير أعلام النبلاء 4/386
كما أنه أكرم أبناء الحسين وذريته ونساءه وخيرهم بين البقاء عندهم والعودة إلى أهليهم في المدينة فاختاروا الذهاب للمدينة، انظر منهاج السنة النبوية لابن تيمية 4/559
خامسا: تعامل أمير المؤمنين يزيد مع أبناء الحسين وذريته بعد رحيلهم من الشام...
لما خرج أبناء الحسين من دمشق كان آخر ما ودع يزيد علي بن الحسين أن قال له معتذرا مرة أخرى، طالبا منه أن يكاتبه بكل ما يحتاجه: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيتها إياه، ولدفعت عنه الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، كاتبني بكل حاجة تكون لك، انظر تاريخ الطبري 6/393
وأمر أن يرافق الحسين ومن معه من النساء والموالي وفد من موالي بني سفيان، انظر الطبقات 5/397، وكان عددهم ثلاثين فارسا، كما أرسل معهم بعض أفاضل أهل الشام يسافرون معهم، وأمرهم أن ينزلوا حيث شاؤوا ومتى شاؤوا، انظر الحجة في بيان المحجة 2/525
فسافر أولاد الحسين وذريته في بالغ التقدير والاحترام من الشام حتى وصلوا المدينة، انظر كتاب مواقف المعارضة في خلافة يزيد 286
ونختم أخيرا بما قاله ابن كثير رحمه الله تعالى في أمير المؤمنين يزيد بن معاوية بن أبي سفيان رحمهم الله: وأكرم آل بيت الحسين ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعفه، وردهم إلى المدينة في محامل وأبهة عظيمة، وقد ناح أهله على الحسين، البداية والنهاية.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا صخر بن جُوَيرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الغادر يُنصب له لواء يوم القيامة، فيقال هذه غَدْرة فلان وإن من أعظم الغَدْر -إلا أن يكون الإشراك بالله-أن يبايع رجل رجلا على بيعة الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون صَيْلم بيني وبينه"
ابن كثير
حدثني إسحاق بن يزيد الدمشقي حدثنا يحيى بن حمزة قال حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام قال عمير فحدثتنا أم حرام أنها
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت أم حرام قلت يا رسول الله أنا فيهم قال أنت فيهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم فقلت أنا فيهم يا رسول الله قال لا
المصدر : صحيح البخاري باب الجهاد و السير / ما قيل في قتال الروم رقم الحديث 270
وشرح الحدي
فتح الباري بشرح صحيح البخاري هو كالتالي
في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر وتعقبه ابن التين وابن المنير بما حاصله : أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله صلى الله عليه وسلم مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقا فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم وأما قول ابن التين يحتمل أن يكون لم يحضر مع الجيش فمردود إلا أن يريد لم يباشر القتال فيمكن فإنه كان أمير ذلك الجيش بالاتفاق وجوز بعضهم أن المراد بمدينة قيصر المدينة التي كان بها يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم تلك المقالة وهي حمص وكانت دار مملكته إذ ذاك وهذا يندفع بأن في الحديث أن الذين يغزون البحر قبل ذلك وأن أم حرام فيهم وحمص كانت قد فتحت قبل الغزوة التي كانت فيها أم حرام والله أعلم . قلت : وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنتين وخمسين من الهجرة وفي تلك مات أبو أيوب الأنصاري فأوصى أن يدفن عند باب القسطنطينية وأن يعفى قبره ففعل به ذلك فيقال إن الروم صاروا بعد ذلك يستسقون به وفي الحديث أيضا الترغيب في سكنى الشام
شهادة محمد بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن الحنفية ـ
فيروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن الحنفية - دخل يوماً على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت ، فقال له يزيد ، و كان له مُكرماً : يا أبا القاسم ، إن كنتَ رأيتَ مني خُلُقاً تنكره نَزَعت عنه ، و أتيت الذي تُشير به علي ؟ فقال : والله لو رأيت منكراً ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه ، وأخبرك بالحق لله فيه ، لِما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه ، وما رأيت منك إلاّ خيراً . [أنساب الأشراف للبلاذري ؛ (5/17)] .
و يروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع - كان داعية لابن الزبير - مشى من المدينة هو وأصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم ، فقال ابن مطيع : إنَّ يزيد يشرب الخمر و يترك الصلاة و يتعدى حكم الكتاب ، فقال محمد: ما رأيتُ منه ما تذكرون ، قد حضرته وأقمت عنده ، فرأيته مواظباً على الصلاة ، متحرياً للخير ، يسأل عن الفقه ، ملازماً للسنة ، قالوا: ذلك كان منه تصنعاً لك ، قال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يُظهر لي الخشوع ؟! ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر ؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه ، و إن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا ، قالوا : إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه! فقال لهم : أبى الله ذلك على أهل الشهادة ، و لست من أمركم في شيء .
[البداية و النهاية ؛ (8/233) ] و [ تاريخ الإسلام – حوادث سنة 61-80هـ – (ص274) ] . و قد حسّن الأخ محمد الشيباني إسناده ، انظر: [مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية (ص384)].
ـ شهادة ابن العباس في يزيد
وهناك قول مشابه لابن عباس رضي الله عنه ، يثبت فيه أن يزيد براء مما افترى ولا يزال يفتري عليه المفترون ، وهو أنه لما قدم ابن عباس وافداً على معاوية رضي الله عنه ، أمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه – أي أن يأتي ابن عباس - ، فأتاه في منزله ، فرحب به ابن عباس وحدثه ، فلما خرج ، قال ابن عباس : " إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس".
[البداية والنهاية ؛ (8/228-229) ] و [ تاريخ دمشق ؛ (65/403-404) ].
ـ شهادة الليث بن سعد في يزيد
ثم إنّ نسبة ما نُسِبَ من منكر إلى يزيد لا يحل إلا بشاهدين ، فمن شهد بذلك ؟ وقد شهد العدل بعدالته ، روى يحيى بن بكير عن الليث بن سعد ( توفي 147هـ ) قال ، قال الليث : " توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا " ، فسماه الليثُ أمير المؤمنين بعد ذهاب ملك بني أمية وانقراض دولتهم ، ولولا كونه عنده كذلك لما قال إلا : " توفي يزيد " .
[العواصم من القواصم (ص232-234) ].
ـ شاهد آخر قوي على عدالة يزيد
كما إنّ مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية ، من أمثال عبد الله بن الزبير ، وعبد الله ابن عباس ، وابن عمر ، وأبو أيوب الأنصاري ، على مصاحبة جيش يزيد في سيره نحو القسطنطينية ، فيها خير دليل على أنَّ يزيد كان يتميز بالاستقامة ، و تتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة ، ويتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية ما يوكل إليه من مهمات ؛ وإلا لما وافق أمثال هؤلاء الأفاضل من الصحابة أن يتولى قيادتهم شخص مثل يزيد .
رد الأستاذ محب الدين الخطيب
ويعقِّب الأستاذ محب الدين الخطيب على من شكّك في أهلية يزيد للخلافة فيقول:
" إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ ( أي يزيد ) مبلغ أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما وأرضاهما ـ في مجموع سجاياهما ، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام أحد ٌ ، ولا حتى عمر بن عبد العزيز ، وإن طمعنا بالمستحيل وقدَّرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر ، فلن تُتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر .. وإن كان مقياس الأهلية ، الاستقامة في السيرة ، و القيام بحرمة الشريعة ، والعمل بأحكامها ، و العدل في الناس ، و النظر في مصالحهم ، والجهاد في عدوهم ، وتوسيع الآفاق لدعوتهم ، والرفق بأفرادهم و جماعاتهم ، فإن يزيد يوم تُمحَّص أخباره ، و يقف الناسُ على حقيقة حالِه كما كان في حياته ، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم ، و أجزل الثناء عليهم .
[حاشية العواصم من القواصم لابن العربي ؛ (ص221) ].
وجاء في المقدمة لابن خلدون
والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه ، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس ، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه - وهم حينئذ من بني أمية - " ، ثم يضيف قائلاً : " وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا ، فعدالته و صحبته مانعة من سوى ذلك ، و حضور أكابر الصحابة لذلك ، وسكوتهم عنه ، دليل على انتفاء الريب منه ، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة ، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك ، و عدالتهم مانعة منه ".
[المقدمة لابن خلدون ؛ (ص210-211) ].