الأمر الثانى بخصوص رواية حديث آحاد الصحابة رضوان الله عليهم عن رسول الله

هو :
أن ما رواه صحابى واحد عن رسول الله

ولم يوجد له معارض من صحابة آخرين فإنه فى حكم المتواتر الذى تبلغ به درجة اليقين ، بل لا أغالى إذا قلت أنه يبلغ درجة الإجماع ، نعم الإجماع ، وأقصد به الإجماع السكوتى ، فعندما يروى صحابى حديثاً عن رسول الله

فإنه يعلمه للتابعين وهؤلاء يسمعون من صحابة متفرقين ، وهم يتناقلون ما سمعوه من هذا الصحابى إلى غيرهم من الصحابة ، فما لم ينكر عليه أحد من الصحابة فهذا يسمى إقرار ، وهو يعد بمثابة إجماع سكوتى على صحة ما رواه ذاك الصحابى عن رسول الله

.
وهذه حجة قوية بحول الله وقوته وقد ألقيناها غلى بعض المعترضين على آحاديث الآحاد فسلم واقتنع بفضل الله تعالى.
ولهذا مستند من العقل والعرف ، فأنت عندما تكون جالساص فى بيتك وتسمع أولادك يتجاذبون أطراف الحديث فإنك تستمع فى صمت ، حتى غذا صدر عن أحدهم لفظاً نابياً أو خارجاً عن حدود اللياق والأدب ، فإنك تخرك عن سكوتك ، وتنكر عليه ، وتكسر عليه ، وترده وتستنكر ما قال. كذلك هى حجتنا.
وأدلل على هذا بحديث أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى

قال : ( كنا في مجلس عند أبي بن كعب . فأتى أبو موسى الأشعري مغضبا حتى وقف .
فقال : أنشدكم الله ! هل سمع أحد منكم رسول الله

يقول (
الاستئذان ثلاث . فإن أذن لك . وإلا فارجع ) ؟
قال أُبيّ : وما ذاك ؟
قال : استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات . فلم يؤذن لي فرجعت . ثم جئته اليوم فدخلت عليه . فأخبرته ؛ أني جئت أمس فسلمت ثلاثا . ثم انصرفت .
قال : قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل . فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك ؟
قال : استأذنت ، كما سمعت رسول الله

.
قال : فوالله ! لأوجعن ظهرك وبطنك . أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا .
فقال أبي بن كعب : فوالله ! لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا . قم . يا أبا سعيد ! فقمت حتى أتيت عمر .
فقلت : قد سمعت رسول الله

يقول هذا .)
وقد روى هذا الحديث أبو موسى

نفسه وأخرجه الإمام البخارى فى كتاب الأدب المفرد ، وصححه العلامة الألبانى : قال : (عن أبي موسى قال : استأذنت على عمر فلم يؤذن لي ثلاثا فأدبرت فأرسل إلي .
فقال : يا عبد الله اشتد عليك أن تحتبس على بابي ؟! أعلم أن الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك.
فقلت: استأذنت عليك ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وكنا نؤمر بذلك.
فقال: ممن سمعت هذا؟
فقلت: سمعته من النبي

.
فقال : أسمعت هذا من النبي

ما لم نسمع؟! لئن لم تأتني على هذا ببينة لأجعلنك نكالا.
فخرجت حتى أتيت نفرا من الأنصار جلوسا في المسجد فسألتهم .
فقالوا : لا يقوم معك إلا أصغرنا فقام معي أبو سعيد الخدري أو أبو مسعود إلى عمر .
فقال: خرجنا مع النبي

وهو يريد سعد بن عبادة حتى أتاه فسلم فلم يؤذن له ثم سلم الثانية ثم الثالثة فلم يؤذن له .
فقال

: (قضينا ما علينا ) .
ثم رجع فأدركه سعد فقال : يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما سلمت من مرة إلا وأنا أسمع وأرد عليك ولكن أحببت أن تكثر من السلام علي وعلى أهل بيتي.
فقال أبو موسى: والله إن كنت لأمينا على حديث رسول الله

.
فقال - أى عمر

: أجل ولكن أحببت أن أستثبت).
فانظر كيف أن عمر بن الخطاب

ومن هو عمر ، وطول صحبته لرسول الله

عندما ذهل عن سنة الاستئذان ، ثم عندما يخبره بها صحابى آخر وهو عبد الله بن قيس وكنيته أبو موسى ولقبه الأشعرى ، فإذا بعمر يتوعده إن لم يأت بشهيد على أن النبى

قد أمر بهذا وإلا فسيضربه على بطنه وظهره بالسوط ،/ وتأمل رغبة عمر فى التثبت فى الرواية عن رسول الله

!!!
وقبل أن أغادر هذا الحديث ، أود أن اشير غلى أمر مهم ، حيث أن أصحاب القلوب المريضة قد يظنون أن فى هذا الحديث دليل على رد حديث الآحاد ، ويتخذون من كلام سيدنا عمر

حجة على هذا حيث طالب سيدنا أبى موسى

بشهيد على أن ما فعله أبو موسى هو من أمر النبى

، أقول : أن الأمر ليس كما يظنون أو يزعمون أو يتوهمون ، فعمر بن الخطاب هو من أكثر الناس صحبة للنبى

وهو أسبق إسلاماً من ابى موسى وأطول صحبة للنبى

منه ، ثم إذا به تخفى عليه هذه السنة المتداولة المشهورة وهى سنة الاستئذان!!!
فهنا عمر عنده علم ، ولكن علمه قد عارضه علم آخر مساو له ألا وهو علم أبى موسى حيث أخبر أن النبى

كان قد أمر بهذا ، وهنا من حيث قوة الاستدلال ، فإن كلام عمر يسقطه كلام أبو موسى ، وكلام أبو موسى يسقطه كلام عمر ، ولابد إذاً من مرجح لقوليهما ، وهنا قد ارتضى عمر

شهيداً واحداً على كلام ابى موسى ، وفى هذا دليل أنهم كان يرضون بخبر الواحد ، أى بحديث الآحاد.
فانتفت بهذا الشبهة بحول الله وقوته.
يتبع ....