عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 2007-09-12, 02:51 PM
حسام الدين حامد حسام الدين حامد غير متواجد حالياً
عضو جديد بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2007-07-27
المشاركات: 10
افتراضي

الجزء الثاني :

ورد في كتاب الله الكريم تعليمه عز وجل عباده للسؤال والجواب والمجادلة:


قال تعالى: "وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"

وقال: "لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ" والبينة ما بان من الحق.

وقال عز وجل: "هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" فأثنى على المؤمنين أهل الحق وذم أهل الكفر والباطل ...

وقال: "إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا" ...

كما ورد في كتاب الله عدة آيات من مخاصمة ومجادلة ومناظرة الأنبياء لأقوامهم: كإبراهيم، ونوح عليهما السلام .

وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، و طلب مباهلتهم بعد الحجة.

وجادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه اليهود في جبريل وميكائيل عليهما السلام ... وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم احتج مع موسى عليهما السلام فحج آدم موسى.

وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صار الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر: في أهل الردة.

وناظر علي - رضي الله عنه - الخوارج حتى انصرفوا.

وناظرهم ابن عباس - رضي الله عنه - أيضاً بما لا مدفع فيه من الحجة من نحو كلام علي - ثم خرج بأسانيده أخبار مناظرة كل من علي وابن عباس رضي الله عنهم وعمر بن عبد العزيز رحمه الله للخوارج - ثم قال: قال أبو عمر: هذا عمر بن العزيز – رحمه الله – وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال في الدين وهو القائل: (من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل) فلما اضطر، وعرف الفَلَج في قوله، ورجا أن يهدي الله به لزمه البيان فبيَّن وجادل، وكان أحد الراسخين في العلم رحمه الله) أ. هـ

وخبر ابن عباس مع الخوارج حاصله أن الحرورية لما اجتمت للخروج على عليّ رضي الله عنه قال له ابن عباس ذات يوم: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفُتْني حتى آتي القوم. قال: فدخلتُ عليهم وهم قائلون؛ فإذا هم مُسْهِمةٌ وجوهُهم من السهر، قد أثّر السجودُ في جباههم، كأن أيديهم ثفِن الإبل، عليهم قُمُصٌ مُرحضة فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ ... قلت: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم – وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله. جئتُ لأبلغَكم عنهم، وأبلغَهم عنكم ... الخ.
وفيه أن ابن عباس حضر مجتمعهم، وناظرهم وأجاب عن شبهاتهم . فرجع منهم ألفان، وبقي بقيتهم فخرجوا فقُتلوا.

فهذا ابن عباس رضي الله عنه لما كان في مناظرته للخوارج خيراً كثيراً ذهب بنفسه إليهم حتى رجع منهم معه الجمُّ الغفير.

وناظر عمر بن عبد العزيز - يرحمه الله - غيلان الدمشقي.

وناظر الأوزاعي أحد القدرية.

وناظر الشافعي حفص الفرد، وناظر بشرَ المريسي بناءً على طلب أم بشر منه ذلك
وقال – رحمه الله -: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا خُصِموا، وإن أنكروا كفروا.

ومن مناظرات السلف كذلك:
مناظرة جعفر بن محمد الصادق مع الرافضي إذ ألزمه فيها الحجة، وبيّن فيها فضل الشيخين رضي الله عنهما.

ومناظرة عبد العزيز الكناني – رحمه الله - لبشر المريسي العنيد في مسألة خلق القرآن والتي وُثِّقت في (كتاب الحيدة).

ومناظرة الإمام أحمد بن حنبل لابن أبي داود والمعتزلة في المسألة نفسها، وغيرها من مناظراته – رحمه الله -.
وقد نفع الله به بعض من كان فيه بدعة فعاد للحق والسنة.

قال ابن حبان في كتاب الثقات - في ترجمة موسى بن حزام الترمذي -: كان في أول أمره ينتحل الإرجاء، ثم أغاثه الله بأحمد بن حنبل فانتحل السنة وذب عنها وقمع من خالفها مع لزوم الدين إلى أن مات.

ولما حضر السلطان ألب أرسلان إلى هراة اجتمع عليه أئمة الشافعية والحنفية للشكاية على الشيخ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ومطالبته بالمناظرة وخلافهم معه كان خلافا في العقيدة كما هو معلوم. فاستدعاه الوزير نِظَام الملك أبو علي الحسن بن علي-رحمه الله- وقال: إن هؤلاء القوم اجتمعوا لمناظرتك فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإن يكن الحق معهم إما أن ترجع وإما أن تسكت عنهم.

فقام وقال: أنا أناظر على ما في كمي. فقال: وما في كُمَّك فقال: كتاب الله عز وجل – وأشار إلى كمه اليمنى – وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – وأشار إلى كمه اليسرى – وكان فيه الصحيحان. فنظر إلى القوم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذا الطريق.

وناظر ابن تيمية خصومه في الخلوة والجلوة مثلما كان يردّ عليهم في كتبه، ومناظراته رحمه الله كثيرة لا تكاد تنقضي. فقد ناظر الرفاعية، وناظر القاضيَ ابنَ مخلوف المالكي، ومناظرته في الواسطية معروفة مشهورة وغير ذلك كثير.
وكان ابن القيم (يفتي ويناظر ويجادل بالحق ليدحض الباطل مع أنواع من أمم الأرض على اختلاف آرائهم وتنوع مذاهبهم).

وفي شفاء العليل لابن القيم: (الباب التاسع عشر: ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس واحد).

وفيه: (الباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري وسني).

وفي العصور المتأخرة ناظر العلامة عبد الله بن الحسين السويدي علماء الرافضة في النجف نفسها بطلب من الوزير أحمد باشا فاجتمع له سبعون مفتياً من علمائهم، وحكَّمه فيهم الشاه نادر ثم جرت المباحثة بين السويدي مع الملا باشا علي أكبر وهو من علماء الشيعة في مسألة أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة فناظره السويدي في ذلك بوجوه من الردود بليغة ومفحمة حتى قطعه. وحتى قال بعض الحاضرين من الشيعة مخاطباً الملا باشا: اترك المباحثة مع هذا، فإنه شيطان مجسم، وكلما زدتَ في الدلائل وأجابك عنها انحطت منزلتُك.

ثم تكلم معه في عدة موضوعات أخرى حتى انقطع الشيعي والحمد لله. وأُخبر الشاه بهذه المباحثة طبق ما وقع، فأمر أن يجتمع علماء إيران وعلماء الأفغان وعلماء ما وراء النهر، ويرفعوا المكفِّرات، ويكون السويديُّ ناظراً عليهم، ووكيلاً عن الشاه، وشاهداً على الفرق الثلاث بما يتفقون عليه.
قال السويدي: فخرجنا نشق الخيام والأفغانُ والأوزبك والعجم يشيرون إليَّ بالأصابع وكان يوماً مشهوداً.

وقد ناظر الشيخ ابن سعدي بعض المتكلمين بنفسه. وحكى عدة مناظرات بين مسلم وملحد.

ودعا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – علماء إيران للمناظرة وذلك (حينما قدِم مندوب إيران – في رابطة العالم الإسلامي – وقدَّم طلباً باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري، ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه، وتجيبه إلى طلبه. فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقاً، وإن رفضوه واجهوا حرجاً. فاقترحوا أن يتولى الأمر فضيلته رحمه الله في جلسة خاصة. فأجاب في المجلس قائلاً: لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم، ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي: الإسلام دين الجميع، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسول الجميع، والقرآن كتاب الله، والكعبة قبلة الجميع، والصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنى وسرقة ونحو ذلك. وهذا القدر كافٍ للاجتماع والترابط. وهناك أمور نعلم جميعاً أننا نختلف فيها وليس هذا مثار بحثها، فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة، ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويُعلن الحق ويلتزم به. أو يسحب طلبه الآن. فأقر الجميع قوله، وسحب العضو طلبه).

وبعد .. فإن ذكر ما سبق يؤكد أن هذه الثلة المباركة من علماء المسلمين، من مميَّزيهم ومحقِّقِيهم، ومن أكثرهم علماً بمنهج السلف واتباعاً له لم يكونوا ليتفقوا على مخالفة صريحة لمنهج السلف في التعامل مع مثل هذه المسألة، وإنما هو الفهم الدقيق، وإنزال النصوص منازلها - رحمة الله على الجميع -.
رد مع اقتباس