وقال الشنقيطي في " أضواءِ البيانِ " (7/319) : وقد بين تعالى أن هذه الليلةَ المباركةَ هي ليلةٌ القدرِ التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان في قوله تعالى : " شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن " [ الْبَقَرَة : 185 ] .
فدعوى أنها ليلةُ النصفِ من شعبان كما روي عن عكرمةَ وغيرهِ ، لا شك أنها دعوى باطلةٌ لمخالفتها لنص القرآن الصريحِ . ولا شك كل ما خالف فهو باطلٌ . والأحاديثُ التي يوردها البعضُ في أنها من شعبان المخالفة لصريح القرآنِ لا أساس لها ، ولا يصحُ سندُ شيء منها كما جزم به ابنُ العربي وغيرُ واحدٍ من المحققين . فالعجبُ كلُ العجبِ من مسلمٍ يخالفُ نصَ القرآنِ بلا مستندِ كتابٍ ولا سنة صحيحةٍ .ا.هـ.
3 – كما هو معلومٌ أن الأدعيةَ الثابتةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم هي من جوامعِ كلمهِ صلواتُ الله وسلامه عليه ، ودعاءُ كميل المزعوم لا تجدُ فيه مسحةَ جوامعِ كلمهِ صلى الله عليه وسلم لو فرضنا أن علياً نقلهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فما بالكم لو كان عن غيرِ النبي صلى اللهُ عليه وسلم وبهذا الطولِ ؟! .
لا شك أنه يُردُ ولو لم يكن في كلماتهِ ما يستغربُ أو يخالفُ آدابَ الدعاءِ ، ودعاءُ كميل على عكس ذلك .
4 - يوجدُ الكثيرُ في دعاءِ كميل من الاعتداءِ في الدعاء ، وخذ هذا الكلام على سبيل المثال لا على سبيل الحصر : يا مولاي...فكيف يبقى في العذاب ، وهو يرجو ما سلف من حلمك..؟! ام كيف تولمه النار، وهو يأمل فضلك ورحمتك ..؟! ام كيف يحرقه لهيبها ، وأنت تسمع صوته وترى مكانه..؟! أم كيف بشتمل عليه زفيرها ، وأنت تعلم ضعفة..؟! أم كيف يتقلقل بين اطباقها ، وانت تعلم صدقه..؟! أم كيف تزجرة زبانيتها ، وهو يناديك يا ربه ..؟! أم كيف يرجو فضلك في عتقه منها ، فتتركه فيها..؟! هيهات ...
والله قال في كتابه في التحذيرِ من الاعتداءِ في الدعاءِ : " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " [ الأعراف : 55 ] .
وعَنْ ابْنٍ لِسَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ ، وَنَعِيمَهَا ، وَبَهْجَتَهَا ، وَكَذَا وَكَذَا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ ، وَسَلَاسِلِهَا ، وَأَغْلَالِهَا ، وَكَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنْ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الشَّرِّ .
رواه أبوداود (1480) ، وابن ماجه (3864) ، وأحمد (1/171، 183) ، وقال الأرنؤوط في تخريجه للمسند (3/80) : حسن لغيره .
وصورُ الاعتداءِ في الدعاءِ كثيرةٌ ليس هذا مجال ذكرها ، ولكن يكفي العبارة التي جاءت في دعاءِ كميل .
5 - وكذلك في دعاءِ كميل من السجعِ المتكلفِ ما يكونُ سبباً من أسبابِ عدم استجابةِ الدعاءِ على فرضِ ثبوتهِ عن علي بن أبي طالب .
عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ... فَانْظُرْ السَّجْعَ مِنْ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ يَعْنِي لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ . رواه البخاري (6337) .
6 - وكذلك لفظة : يا سيدي الواردة في الدعاءِ ، تكلم عليها أهلُ العلمِ .
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في " الفتاوى " (1/207) : وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي عِمْرَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي : يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي ، وَقَالُوا : قُلْ كَمَا قَالَتْ الْأَنْبِيَاءُ : رَبِّ رَبِّ .ا.هـ.
وقال أيضاً في " الفتاوى " (10/285) : وَأَمَّا السُّؤَالُ فَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ بِاسْمِ الرَّبِّ كَقَوْلِ آدَمَ وَحَوَّاءَ : " رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ " وَقَوْلِ نُوحٍ : " رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ " وَقَوْلِ مُوسَى : " رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي " وَقَوْلِ الْخَلِيلِ : " رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ " الْآيَةُ وَقَوْلِهِ مَعَ إسْمَاعِيلَ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " وَكَذَلِكَ قَوْلُ الَّذِينَ قَالُوا : " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ : يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي يَا حَنَّانُ يَا حَنَّانُ وَلَكِنْ يَدْعُو بِمَا دَعَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ؛ رَبَّنَا رَبَّنَا نَقَلَهُ عَنْهُ العتبي فِي العتبية .ا.هـ.
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم عند شرح الحديث العاشر (1/274) : وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء : يا سيدي ، فقالا : يقول : يا رب . زاد مالك : كما قالت الأنبياء .ا.هـ.
وفي هذا القدرِ كفايةٌ ، وفي الختامِ أجزمُ أن دعاءَ كُمَيْل لم ولن يثبت عن علي بنِ أبي طالب ، وإذا وجدتُ لاحقاً شيئاً يثري الموضوع وضعته إن شاء اللهُ تعالى .
23 - 12 - 1424 هـ
كتبه
عَـبْـد الـلَّـه بن محمد زُقَـيْـل