عرض مشاركة واحدة
  #19  
قديم 2010-07-01, 12:57 PM
زينب من المغرب زينب من المغرب غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-14
المكان: tangier morocco
المشاركات: 1,013
افتراضي

نص رسالته التي تلت حرفيا:
اقتباس:
رسالة من الروح
رسالة رقم 8 : القضاء والقدر والمسؤولية

ما علاقة موضوع القضاء والقدر الذي يعتبر من المواضيع الدينية بمجال النجاح والتنمية الذاتية ؟

معظم المحاضرين في مجال التنمية الذاتية يتجنبون الخوض في الأمور العقيدية، لا يتكلمون عن هذه المواضيع الفلسفية الشائكة، ربما لإرضاء الجماهير، ربما لتجنب النقاش الحاد. لقد كتبت لسنين في موقعي الخاص حول التنمية البشرية ولم أتلق أبدا النقد الذي تلقيته عندما بدأت كتابة رسائل من الروح. لأن الكلام عن التنمية الذاتية ممتع : كيف تنجح، كيف تنظم وقتك، كيف تحدد أهدافك، ... ولكن ماذا يحصل مباشرة بعد أن تنتهي من قراءة المقال أو سماع المحاضرة ؟ تعود إلى حياتك العادية ولا تطبق شيئا مما قرأت أو سمعت. هذه هي الملاحظة التي تتكرر دائما.

هناك من يصرف مبالغ باهظة من أجل حضور دورة في التنمية الذاتية، يعود متحمسا، مشحونا بطاقة هائلة، يريد أن يغير كل شيء، ... وما أن تمر أيام معدودة حتى تخمد الطاقة ويعود كل شيء كما كان.

لماذا ؟؟؟؟؟

لأن الفكرة الجديدة إذا تعارضت مع المعتقد فإن المعتقد ينتصر في كل الحالات. لا أقصد بالمعتقد هنا الدين، المعتقد هو أي شيء تؤمن به، هناك من يعتقد أن المال هو مصدر الشر، أن اللغات الأجنبية صعبة التعلم، أن السيارة الجديدة لابد أن يخدشها أحد المارة بمسمار، ...

إن من الدعائم الأساسية للتنمية البشرية هو مبدأ المسؤولية. مسؤوليتك عن حياتك أولا. وإذا كنت مؤمنا بمفهوم "الجبر" فلا كلام عن المسؤولية ولا عن تحديد الأهداف ولا عن تنظيم الوقت. لأنك مسلوب الإرادة. لن تنفع معك أي محاضرة في التنمية الذاتية.

كل كتب التنمية الذاتية تتحدث عن خاصيتين مهمتين تمثلان معيارا تكتشف به من له عقلية الناجح و من له عقلية الفاشل :

ـ الفاشل دائم الشكوى، يلقي اللوم على الآخرين باستمرار، ينتقد كل شيء و يتذمر من كل شيء : من المجتمع، من الاقتصاد، من الحكومة، من حالته الصحية، من مديره في العمل، من الأغنياء، من نظام التعليم، والقائمة طويلة. عندما تقترح عليه فكرة جديدة يبدأ مباشرة في الكلام عن العوائق والمحبطات. ليست له أهداف ولا مخططات، لا يتحرك إلا بدافع الخوف (الخوف من الرسوب في الامتحان، الخوف من ضياع عمله، ...)، وعند انعدام دافع الخوف يخلد إلى الراحة. هل ترى معي الآن صورة العامل الذي لا يتحرك إلا بوجود رب العمل ؟ أو التلميذ الذي لا يدرس إلا تحت ضغط أستاذه أو والديه ؟

ـ الناجح لا يشتكي أبدا، له حساسية ضد التذمر. الناجح مقتنع أنه مسئول عن كل صغيرة وكبيرة في حياته، أن كل ما يحصل له هو نتيجة أفعاله وقراراته هو، لذلك لا يلقي اللوم على أحد. عندما تواجهه مشكلة، بدل أن يبحث عن أحد يلقي ثقل المسؤولية عليه، يتساءل : ماذا يمكنني أن أفعل لحل هذه المشكلة ؟ ما هو القرار الذي يجب أن أتخذه الآن للحد من هذه المشكلة ؟ ما هي الإجراءات التي تضمن عدم تكررهذه المشكلة في المستقبل ؟ كلها أسئلة تنم عن مستوى الشعور بالمسؤولية الذي يتحلى به الناجح. يحدد أهدافا، يضع مخططات ويسهر على تطبيقها وعندما تواجهه عقبة، لا يستسلم و يقول : هذا لا ينفع ! بل يقول : يجب أن أبحث عن طريقة أخرى للوصول.

ها قد أعطيتك النظرة العامة. و الآن أسألك : من في نظرك يؤمن بمبدأ الجبر ومن يؤمن بمبدأ الاختيار ؟

الجواب بديهي أليس كذلك ؟

"الجبر" هو مبدأ الفاشلين، و"الاختيار" هو مبدأ الناجحين.

سؤال آخر : عندما تجلس في مقهى أو على مأدبة عرس، ما نوعية الأحاديث التي يتداولها معظم الناس ؟ هل هي من الصنف الأول أم الثاني ؟ أظن أنني لا أحتاج لكي أعطيك الجواب.

لا يمكنك أن تنجح نجاحا باهرا إذا كنت تؤمن بمبدأ "الجبر"، لا يمكنك أن تحطم القيود العقلية، لأنه ما أن تبدأ في الجهد والعمل حتى يتكلم في باطنك هذا المعتقد ويقول : ما الفائدة ؟ ... وما أن تواجهك صعوبة، حتى تسمعه يقول : ربما لا يريد الله لك أن تقوم بهذا المشروع ! وعندما تحصل كارثة توقف مشروعك، يسقطك الصوت بالضربة القاضية قائلا : هذا قضاؤك وقدرك، ماذا تفعل إذا كان الله كتب لك الشقاء ؟

من القصص المعروفة عند محاضري التنمية الذاتية قصة الياباني "هوندا" الذي بدأ مشروعه الصناعي بإضافة محرك صغير إلى دراجته الهوائية، وعندما لاقت الفكرة استحسان أصدقائه أسس مصنعا للدراجات النارية فكان أول من باع الدراجات النارية في العالم. واجهت "هوندا" مصاعب مالية عديدة و تحطم مصنعه في الحرب العالمية الثانية. ولكنه أعاد بناءه، ثم انتقل إلى صناعة السيارات فغزا الأسواق العالمية.

قصة المخترع الأمريكي "إديسون" الذي فشل 10000 مرة قبل أن ينجح أخيرا في تصميم المصباح الكهربائي، وعندما سئل عن أسباب فشله، قال : "لم أفشل، ولكنني اكتشفت 10000 طريقة غير مجدية لصناعة المصباح الكهربائي"

هل ترى مدى الشعور بالمسؤولية لدى هؤلاء الناس، هل تظن أنهم مؤمنون بمفهوم "الجبر" ؟

لماذا يفضل الكثير مبدأ "الجبر" على "الاختيار" ؟

لأن إلقاء اللوم على الآخر يخفف من ثقل الهموم، يسري عن النفس، بماذا تحس عندما يقول صديقك في المقهى : "الأزمة هي السبب في صعوبة العيش"، تحس بالراحة أليس كذلك ؟ لا يَـد لك فيما يحصل. هل ستتحرك لتحسين وضعيتك المالية ؟ لماذا تتحرك ؟ المشكلة ليست مشكلتك بل مشكلة مسيري الاقتصاد، هم من يجب عليهم إيجاد الحل، الكرة في ملعبهم الآن.

هناك شريحة أخرى من المجتمع ترتاح من المسؤولية بإلقاء اللوم على الجن والشياطين والسحرة. كل ما يحصل لي من فشل ومشاكل زوجية ومتاعب مادية هو بسبب السحر. إذا رميت بنفسك في هذه الدوامة فقد ألقيت بنفسك إلى التهلكة، لأنك تواجه عدوا مجهولا، وهميا. السحرة أناس يتقنون فن اللعب بعقول الناس من أجل الكسب المادي. وعندي مبدأ أردده دائما : لو كان للسحرة أدنى مقدرة على علم الغيب أو التحكم في المصير، لنفعوا أنفسهم قبل كل شيء، لماذا تراهم أرذل الناس ؟ تأمل قليلا !

وضع الساحر الكندي "جيمس راندي" سنة 1964 تحديا أمام كل سحرة العالم، أعلن أنه مستعد أن يدفع 1000 دولار من ماله الخاص لأي ساحر يبرهن أنه قادر على الإتيان بشيء خارق. أتدري كم صارت الجائزة الآن، لقد صارت مليون دولار !! ومع ذلك لم يلفح أي ساحر في الإتيان بشيء خارق تحت ظروف المراقبة العلمية الصارمة التي فرضها جيمس راندي !! ... ولا يفلح الساحر حيث أتى.

أحب كذلك أن أذكرك أن الشيطان بنفسه لا يريد تحمل مسؤولية أفعالنا :

ـ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم (إبراهيم 22)

كما أن القرآن في أيما آية يؤكد أن الله لا يتحمل نتيجة أفعالنا ويحملنا مسؤوليتها كاملة :

ـ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (الأعراف 28)
ـ إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (يونس 44)
ـ ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (الكهف 49)
ـ ثم توفى كل نفس ما كسبت وهو لا يظلمون (البقرة 281)
ـ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (الزلزلة 8)
ـ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم و هم لا يظلمون (الأحقاف 19)

وتأمل في هاتين الآيتين اللتين أعتبرهما الحجة التي لا نقاش فيها أن مسؤولية ما يحصل في حياة الإنسان منوطة به وحده :
ـ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 11)
ـ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الأنفال 53)

تغيير الواقع سببه تغيير ما بنفس الإنسان، سنعود إلى هذه الحقيقة بتفصيل أكثر عندما نتكلم عن قوانين العقل في الرسائل المقبلة إن شاء الله

المسؤولية عبء كبير، إنها ثقيلة على النفس، إنها مرعبة، لذلك يتفادها الفاشل بكل الطرق في حين يتحملها الناجح ويبحث عنها لأنه يعلم أنها سر النجاح.

المسؤولية تعرضك للنقد، تعرضك للاستهزاء، تعرضك للإحراج، تعرضك لأداء الثمن مهما كان باهظا، تعرضك لسهر الليالي، تعرضك للتوتر، تعرضك لتشغيل أقصى طاقاتك الفكرية والجسمية، ولكنها في المقابل توسع معارفك، ترفع مستواك، تزيد من قيمتك. إنك تكبر بفضل المسؤولية، عندما تتخطى الصعاب وتتخذ القرارات وتجد الحلول تزداد ثقتك في نفسك وتعلو همتك وتصير إنسانا آخر ... لهذا خلقنا فٍي هذه الدنيا، لنعمل ونجد ونحسن ونطور، لا لنجلس ونرتاح وننتظر أن يأتي الآخرون بالحلول والاختراعات.

ألا نرى أن الأوروبيين والأمريكيين قد فهموا حقيقة الحياة أحسن منا ؟ تأمل في كل مقومات الحياة العصرية الحديثة من سيارات وطائرات وأدوية ووسائل اتصال وأجهزة الكترونية متطورة، كل هذه الوسائل التي نقلت حياة البشر نقلة نوعية تحققت بفضل هؤلاء الناس، ومع ذلك نلعنهم ونسبهم، ألسنا ناكرين للجميل ؟

أنظر إلى أية مؤسسة أو شركة، ما الفرق بين المدير العام والعامل البسيط ؟ ليس الفرق في نوعية الشهادات التي يحملها كل منهما، بل الفرق في جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق كل منهما ونتيجة قرارات كل منهما. خطأ في التقدير من طرف المدير العام قد يذهب بالشركة إلى الهاوية، وقرار صائب يربحها ملايين الدراهم. أما العامل البسيط فتأثيره كذلك بسيط على سير الشركة، أحيانا وجوده كعدمه.

ولكن ياترى ما السبب في بقاء العامل البسيط بسيطا ؟ السبب أساسا هو هروبه من المسؤولية. لي العديد من الأصدقاء أصحاب شهادات عالية ولكنهم لم يترقوا أبدا في عملهم بسبب خوفهم من المسؤولية، وفي المقابل هناك من ليست لهم شهادات أصلا وأصبحوا من كبار المسؤولين لأنهم تقبلوا المسؤولية وسعوا من أجلها.

في مجال التعليم الذي أشتغل فيه، كلما سألت الطلبة أن يقوموا بواجب أو بحث ما، ترى الامتعاض على وجوه البعض الذين يأتون في نهاية الحصة يرجونني لتأجيل الواجب لوقت آخر. أنظر إلى امتحانات البكالوريا التي مرت منذ أسابيع قليلة، لا تجد حديث التلاميذ إلا عن نوعية الحراسة، هل هي مشددة أو متساهلة، وإلى أي مدى استطاعوا تبادل الأجوبة أو اختلاس النظر إلى الوريقات الصغيرة في جيوبهم دون أن يشعر الأستاذ.

هذه هي الحياة، هناك من تخلص من الخوف وأبحر في محيط المسؤولية والقرارات وهناك من فضل البقاء على بر الأمان وترك الآخرين يقررون مكانه، كما قال رجل الأعمال والمحاضر الأمريكي جيم رون : "إذا لم تخطط لحياتك، فأغلب الظن أنك ستكون ضمن مخططات الآخرين، و خمن ماذا خططوا لك ؟ ليس الكثير !"

إذا كنت تجد صعوبة في تحمل المسؤولية، ابدأ بتحمل مسؤوليات صغيرة كتنظيم حفلة لأصدقائك، أو رحلة صغيرة. في المنزل، تحمل مع والديك بعض المسؤوليات في تسيير أمور المنزل، كالتسوق مثلا أو الترتيب، تعلم أن تكون عضوا فعالا، فالمسؤولية عادة. في العمل، تطوع دائما لتحمل المسؤوليات واقتراح الأفكار الجديدة والمساهمة في اللجان، بهذه الطريقة ستحوز على إعجاب مديريك و تكون أول المرشحين لمناصب أعلى.
من الآن تحمل مسؤولية كل صغيرة وكبيرة في حياتك، لا تلق المسؤولية على أحد، ابحث عن الحلول بنفسك، وقرر بنفسك، هذه هي الطريق نحو النجاح.

وإلى رسالة مقبلة

كريم المختاري
أستاذ باحث بكلية العلوم والتقنيات بطنجة – المغرب




رد مع اقتباس